6 نقاط مهمة في نقد الحالة الأندلسية بين التاريخ والواقع

6 نقاط مهمة في نقد الحالة الأندلسية بين التاريخ والواقع

نقد للحالة الأندلسية بين التاريخ والواقع

في عام 2012 إحتفلت مدينة غرناطة بالألفية على قيام ممكلة غرناطة، والحقيقة مؤسفة فبعد مرور ألف عام واقعنا يمكن تلخيصه بالتالي:

1- مازالت تُعرض الحقبة الأندلسية سواءً في المناهج التعليمية في الكتب والموسوعات العلمية كحقبة “إستعمار عربي” لشبه الجزيرة الأيبرية، استعمار دام 8 قرون بحجة تبرير نفي سكانها ومحاولة إبادتهم بعد سقوط مملكة غرناطة.

2- مازالت الدراسات العربية تعاني في المستوى الأكاديمي من قلة الخبراء فيها وقلة الباحثين مع أن الوضع في السنين الأخيرة قد تحسّن بشكل كبير.

3- تعاني الجامعات الإسبانية من قلة وجود أقسام خاصة بالدراسات العربية والإسلامية، وبالذات بالدراسات المتعلقة بالتاريخ الأندلسي. كما تعاني من عدم وجود منح دراسية مناسبة لتنمية المعارفة اللغوية لطلابها.

4- بالنسبة للتراث الأندلسي المخطوط فالحالة الراهنة مؤسفة للغاية – كحالة معظم المخطوطات الإسلامية في العالم- فهو متناثر بين مكتبات عامة ومكتبات خاصة، بداخل وخارج إسبانيا، ويعاني من مشاكل عديدة، أهمها عدم وجود فهارس وصفية خاصة بهذه المخطوطان لتسهيل الباحثين من دراستها وتحقيقها. كما يعاني من سوء الحفاظ وسوء الترميم ومن السرقات والحرق إلى الوقت الحالي.

5- وفيما يخصّ بالدراسات المتعلقة بالقضية “الموريسكية” يمكننا القول بأن معظم الدراسات الأكاديمية التي جرت وتجرى حولها – بإستثناء بعض الدراسات التي تقوم بها بعض المؤسسات والجمعيات الخاصة كمؤسسة التميمي للدراسات الموريسكية بتونس- فإن معظمها تود أن تثبت بأن ذلك المجتمع المسلم كان لا يمثّلأ إلا “أقلية” في وسط الحقيقة الإجتماعية لدى أسبانيا منذ تسليم مدينة غرناطة، ويسيندون ذلك بدراسات ديموغرافية وأرقام سطحية، وهكذا يمسح المؤرخ -متعمدًا- مجتمع مسلم كان الأكثرية في سطح الأندلس، ويرمى في البحر أو المنفى أولئك الذين قاوموا بإخفاء هويتهم لأكثر من قرن، بقول أنهم خرجوا بعد إصدار قرار النفي العام في 1609، ونحن لا نريد أن ننفي الحقائق التاريخية ولا نريد أن نتجاهلها ولا ننكر ماهو واضح، فبالطبع قد هاجر العديد من سكان الأندلس – منذ بداية القرن الرابع عشر – بسقوط وحدة الأمة، سواء كانت هجرات داخلية أو خارجية إلى مختلف البلدان المحيطة بشبه الجزيرة الأندلسية والتي كانت ترحب بالمهاجرين تارة أو لم تكن ترحب بهم ولكن نتساءل هنا : من أين أتى هذا الكم الهائل من السكان الذين استوطنوا أراضي الموريسكيين، هل كانوا مزدحمين في أراضي شمال أسبانيا منتظرين وقت نزولهم للإستيطان وكيف وصل الأمر إلى أن أصبحت الأكثرية هي الأقلية في مجرد قرن من الزمان، طبعًا هنا سنعتبر الموريسكين ” وهم المسلمون المنتصرون والذين كانوا الأكثرية في البلاد” هم الأغلبية بعد التنصير “النصارى الجدد” والذين طردوا في آخر المطاف وبقى “النصارى القدامى”. إذن نسنتج من هذا أن أسبانيا بقيت خالية من السكان أو يمكننا أن نستنج من أن الدراسات التي تجري ليست بالواقعية وتهدف أن تفصل بين حقيقة تاريخنا وعلاقة شعبنا الإسباني بماضيه. أي أنها تود أن تبعد مجتمعنا الحاضر بأن لشعبنا صلة “بالأندلسي” أو “بالعربي” أو أسوء من ذلك “بالمسلم” إذن يمكننا أن نرى هنا لعبة التاريخ واضحة.

– علينا أن نفكر أيضًا بأن الوقائع والبطولات التي ندرسها في مدارسنا ليست دائما حقائق تاريخية، بل هي في معظم الحالات وقائع خيالية أو خرافية أو حقائق مبالغة لإسناد إردات عقائدية أو سياسية، وعادة ما يحدث هذا في التاريخ. ونحن المواطنون وبالذات المسلمين في إسبانيا، نعاني من جهة من تشويه سلبي لتاريخنا يضعنا في مواقف حرجة وغير عادلة في مجتمعنا ويصعب علينا الإندماج حيث أنه وفي حين أن نفتخر بإسلامنا، تستخدم الصورة السيئة التاريخية والراسخة عن المسلم الأندلسي أو العربي “ضدنا” ومن جهة أخرى نواجه الوجه الآخر من العملة والذي يظهر “الشعب الأندلسي” في تاريخنا كذلك الشعب الضائع الذي نال نصيره بتصرفاته غير الإسلامية من اللهو والخمر – كما يودّ أن يثبته العديد من المؤرخين – والذين يستغلون التاريخ الأنلدسي لإستناد آراء خاصة، أو لمقارنة الماضي الأندلسي بواقع بعض الفئات من المجتمعات العربية وإعطاء العبرة التاريخية. وأنا أقف ضد هذا التفكير تماماً، لأن العوامل التي أدت إلى سقوط الأندلس عديدة ومتفرقّة. كما أن مملكة غرناطة وبالذات معالمها الإسلامية وثقافتها تثبت عكس ذلك فهي تبرهن مدى تمسّك أهلها بالمشاعر الإسلامية التي كانت توحدهم كأمة واحدة وتسير بهم في طريق مستقيم. وكما يمكننا أن نقول بأن صمود الموريسكيين وإصرارهم على إبقاء تراثهم وهويتهم لمدة أكثر من 3 قرون تبين لنا مدى أهمية الإسلام لدى ذلك المجتمع الذي عرف في معظم عصوره كيف يدمج الدين والدنيا ويعطي كل جزء نصيبه ولرؤية ذلك لا علينا إلى أن نزور قصر الحمراء بغرناطة حتى تتسنى لنا فرصة رؤية جمال قصورها المزينة بآيات من القرآن الكريم والمليئة بمحارب الصلاة.

واليوم وقد دار الزمان على الجميع، ها نحن نرى نتيجة “غسيل الدماغ” الذي انتهجته إسانيا ضد القشتاليين أنفسهم والغرناطيين الأندلسيين، فبدل إحياء ذكرى “تسليم” المملكة يوم الخامس والعشرين من نوفبر 1491. تقرر الإحتفال بذكرى “أخذ” غرناطة يوم 2 يناير 1492م، فلابد من أن نسعى جميعًا إلى العمل في إنقاذ ماضينا والعمل على إحياء ثقافتنا الأندلسية وترك البكاء على “الفردوس المفقود” فلن يكن مفقوداً ما دام حيًا في تراثنا وطبائعنا ومعالمنا وإسلامنا.

ولا أستطيع أن أختم قولي بكلمات أفضل من التي ذكرها الأستاذ عبدالجليل التميمي عن حال الدراسات الأندلسية في وقتنا الحال ” والنتيجة الحتمية لهذه الوضعية أننا لا نعلم الشئ الكثير عن مأساة الموريسكين الأندلسيين إلا بالقدر الذي يذكرنا بضياع الأندلس الفردوس المفقود، وبمحنة الموريسكين وخروج المسلمين وحركة الجهاد الإسلامي ودور الملكة إيزابيل في إسقاط الأندلس وحرق المكتبات العامة، ودور محاكم التفتيش الرهيبة في القضاء نهائيًا على الوجود المادي والحضاري للأندلسيين، وطردهم جوراً من أندلسيهم وخضوعهم للتعميد القسري وحرقهم أحياء، لأنهم تمسّكوا بتلابيب دينهم وتقالديهم ومنظومة حضارتهم وفرضت لهم محاكم التقتش أقصى وأشنع أنواع الظلم والقهر المادي والمعنويّ، وتذويبهم عن طريق دمجهم تمامًا في المجتمع الإسباني الكاثوليكي، وقد ألهبت تلك الكتابات العاطفية جدًا مشاعر الأمة العربية والإسلامية وجعلتها تردد وتجتر معلومات عادية دون التعمّق في مكنونات وأسرار الإختناق الحضاري للأندلس ومحاولة القضاء عليها!” .

Adiba-Romero-Sanchez
_____
بقلم أديبة روميرو سانشيرز Ada Romero Sanchez باحثة وكاتبة إسبانية مقتطف من ورقة بحثية منشورة في كتاب إنبعاث الإسلام في إسبانيا الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث.ن

المواضيع ذات الصلة