و عادت الأندلس

و عادت الأندلس

عادت الأندلس إلى أهلها بعد أن فقدوها و فقدتهم مدّة قرون …

كم من وطنٍ يفتقدُ أهله و كم من مواطنين يفتقدون بلادهم ! ليس ضياعُ البلدان و الأوطان ذلكَ الضّياع المادي الذي يفترض ضياع السلطة من أصحاب الأرض, بقدر ما هو ضياع كلّ تواصل روحٍّي بين الوطن و المواطن , إنّ أكبر ما يفقده المرء هو حبّه لوطنه و أسوء ما يشعر به الإنسان هو جفاء الوطن له .

في هذا الزّمن الغريب , المليء بالانفصامات المفاجئة عن الذّات و عن الهوّية , في هذا الوقت الذي فقد فيه جزء كبير من النّاس إحساسهم بالانتماء , في هذا العالم المتقلّب الذّي جعلت أوضاعه الأفرادَ تنقلب على ماضيها و ترفض حاضرها و تحاول الهرب من مستقبلها …في هذا الزّمن المُقلق …لاحت شمس الأندلس الّتي طال ليلها لدرجة ظنّ فيها البعض أنّ ما حدث للأندلس لم يكن كسوفا بقدر ما كان موتًا …

نعم , عادت الأندلس إلى القلوب , بعد أن كانت هجرتها و سلكت درب النّسيان , عادت غرناطة إلى أشعارنا , و رجعت قرطبة إلى كتبنا …نعم فتحت خزائن التّاريخ المغلقة و نُفض الغبار عن مجريط و شلّب و شنترة دروقة و جيّان …

رجعت أخبار ابن رشد و الشريشي و الزهراوي إلى موائد المنهومين بدرّة التّاريخ الإسلامي , و عادت الأندلس إلى مقالاتنا و أبحاثنا و مطالعاتنا بعد أن كانت حكرا على مقاهيناو مطاعمنا و صالونات حلاقتنا …

عادت الأندلس إلى أهلها بعد اشتياق , فوجدتهم فتحوا لها القلوب و العقول بالعناق…

قبل سنوات عديدة كنت لا أرى الأندلس إلاّ في أوراق الكتب الصّفراء و في خبايا المجلاّت المندثرة , و لكن الأندلس تحضر اليوم بين شباننا و فتياتنا ,في مدوّناتهم , في مواقعهم الاجتماعية , في صفحاتهم , في منشوراتهم , في تسجيلاتهم …لقد رجعت كي تكون جزءا ماديا من حياتهم …

انتقلت الأندلس من مجال خاص بالباحث و المؤرخ إلى مساحة مفتوحة للمحبّ و الناقد و المشتاق و النّاقم و المتحفّز و الحالم …مساحة تكفي الجميع و تسع الكلّ …

احتفل الإسبان سنويا لمدّة قرون بذكرى سقوط غرناطة وحدهم , و لكن أبت الأندلس إلاّ أن تدعو أبنائها كي يكسروا عنها أغلال الإهمال و ليخرجوها من سجن الوحدة … فوجد الإسبان فجأة أنّ يومهم الذي احتكروه كي يسيروا به في درب ظنّوا لقرون أن اتّجاهه واحد , قد أصبح يوما يسير فيه غيرهم في اتجاهات مختلفة فتحت للأندلس شعب رئتها التي كانت مرهقة و منهكة من تنفّس دخان الزيف و التزوير …

حُقَّ لنا جميعا أن نحتفل بعودة الأندلس إلينا , ليس تلك العودة المجنونة التي يريدها البعض و يرغب بها الكثير , بل العودة المطلوبة المنتجة , التي لن نتأخر في رؤية ثمارها إن أدركنا قيمة هذه العودة و لم نسقط في الدوامة الخاطفة التي جعلت الأندلس تسقطُ منّا مرّتين , مرّة من سلطتنا و مرّة من تاريخنا…

 

المواضيع ذات الصلة