مسلسل “إيزابيل” على “باب الحارة”

مسلسل “إيزابيل” على “باب الحارة”

مسلسل “إيزابيل” على “باب الحارة”
غولدا مائير،”أم إسرائيل الحديثة” المرأة الرجل التي تباهت بتقديم الغالي والنفيس للكيان الصهيوني والتي تقلّدت منصب رابع رئيس وزراء إسرائيلي، لم تخف للحظة عداءها الشديد للفلسطينيين لدرجة أنها صرحت مرة بأن أجمل صباحاتها ستكون يوم لن تجد فيه طفلًا فلسطينيًا واحدًا على قيد الحياة. شخصية بهذه الدمويّة والعداوة المفرطة تجاه العروبة والإسلام، ماذا لو قامت “أنجلينا جولي” بتقديم مسلسل يجسّد شخصيّتها؟ كيف يمكن للمشاهد البسيط ألا ينظر بعين الإعجاب إلى غولدا مائير برداء أنثوي فاتن؟

الإجابة في مسلسل “إيزابيل” والذي يعرض يوميًا على قناة أبوظبي الإماراتية، وهو مسلسل يروى قصة ملكة قشتالة، المرأة الحديدية التي على يدها سقطت آخر ممالك الأندلس، فقد كان بقاء ممالك الأندلس المتهالكة مرهونا بالخلافات بين الممالك النصرانية المتنازعة، إلا أن “إيزابيل” بطلة مسلسلنا هذا كانت قد أقسمت حسب الحقائق التاريخية على تحقيق الوحدة من أجل دحر آخر حكام الأندلس، وقد فعلت ذلك من خلال الزواج من غريمها فريناندو ملك مملكة أراغون بغية تحقيق الوحدة المأمولة لدكّ آخر معاقل المسلمين. وكان لها ذلك. “إيزابيل” التي تحتفي قناة أبوظبي بها، هي واحدة من أكثر النساء إجرامًا في التاريخ، لكن المسلسل لا يقدمها بهذه الصورة مطلقًا، بل يروي قصتها على انها أعظم شخصيات إسبانيا على الإطلاق، وتجسّد دورها الممثلة الإسبانية “ميشيل جينر”، وقد نالت هذه الممثلة الأكثر جاذبية حسب النقّاد جائزة الأونداز الوطنية للتلفزيون باعتبارها أفضل ممثلة للتاريخ الوطني.

يعتبر مسلسل “إيزابيل” من أهم الأعمال الإسبانية التي قدمت مؤخرًا، وقد حظي المسلسل الذي امتدّ لجزئه الرابع اليوم بمشاهدات فلكيّة مستقطبة جمهورًا ضخمًا من كل دول العالم، وللمسلسل ثقل وأبعاد كثيرة دفعت الملك الإسباني الحالي وزوجته إلى زيارة موقع تصويره ودعمه للدور الوطني الذي يلعبه، بل قد تم إنشاء متحف خاص بملابس ومعدات طاقمه وجعله مزارا للمعجبين، وقد حاز المسلسل على جوائز كثيرة محلية وعالمية تعكس القيمة العظمى التي يشكلها هذا العمل.

ويأتي هذا المسلسل الذي دُبلج للعربية حول سيرة الملكة “إيزابيل” التي عُرفت بنزعتها الصليبية المتعصبةّ، فقد كانت تُكنّى بصاحبة القميص العتيق إذ إنها قطعت عهدًا بعدم استبدال قميصها الذي ترتديه حتى تُسقط غرناطة آخر مدن الأندلس، وقد كانت تشرف بنفسها على عمليات التعذيب والتطهير الديني في الأندلس، فاستقدمت محاكم “التحقيق” الكنسية التي نشرتها في المدن الأندلسية، وهي مؤسسة سيئة الصيت من أكثر المؤسسات وحشية في القرون الوسطى، وقد عملت “إيزابيل” على ملاحقة المسلمين الذين يخفون إسلامهم ويخالفون سلطة الكنيسة، ونشرت الرعب بينهم عبر أدوات التعذيب السادية، وكانت هذه الإيزابيلا تؤكد دومًا على أن معركتها لن تقف عند ما أسمته “استرداد الأندلس”، بل تعدى ذلك فامتدت يدها للشمال الإفريقي وعينها كانت ترقب القدس الشريف.

ومن أهم إنجازات “إيزابيل” التي يحتفى بها على قناة أبوظبي ذات المشاهدات الأعلى عربيًا، حرق الكتب والمخطوطات العربية وسرقة العلوم والكنوز من المكتبات الإسلامية، كما أن “إيزابيل”، وإن بدت في المسلسل امرأة فاتنة شديدة الأناقة تشعّ نورًا تحت وشاحها الأبيض الناصع، إلا أنها عرفت بعدم الاغتسال في حياتها إلا مرتين، يوم ولدت سنة 1451 وليلة زفافها سنة 1469، وحين ماتت عام 1504 فتمت لها الغسلة الثالثة!

المسلسل الذي دُبلج بالعربية لا ينكر إطلاقًا الجرائم التي قامت بها “إيزابيل” من حرق وقتل وإستئصال للهوية أو طرد لبناة حضارة الأندلس، الخطورة تكمّن في تقديم هذه الأعمال الإرهابية على أنها أحداث مقبولة في سياقها ولها مبرراتها، فالعديد من الأكاديمين الإسبان وقفوا مدافعين عن هذه الرؤية اللاأخلاقية التي يقوم المسلسل المُدبلج بتقديمها، حيث صرّح عميد كلية التوثيق في مدريد “خوسيه ماريا دي فارنسيسكو اولموس” في جريدة “البابيس” الشهيرة عدد ديسيمبر 2013 ما مفاده أن هذه الأعمال ضرورية لتأسيس إسبانيا وأنه ليس من الصواب قياس أحداث القرن الخامس عشر بمنطق القرن الحادي والعشرين، وأن مفهوم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي لم يكن حاضرًا آنذاك! هل يدرك المدافعون عن هذا المسلسل أن الأمر يشبه تمامًا كيف كان التاريخ سيروى لو انتصر هتلر في الحرب العالمية الثانية؟

نحن لا نرفض هنا الإستماع لرواية التاريخ حسب ما يراه الآخر، لكننا نتساءل عن المصداقيّة وعن الهدف وعن جدوى بث هذا المسلسل وبهذه الطريقة التي تأتي وكأنها حملة علاقات عامة لتلميع صورة ذهنية لواحدة من أكثر الشخصيّات التي صاغت أفظع فصول الألم في التاريخ الأندلسيّ. من حقّ المشاهد العربي أن يتساءل، في هذا الزمن الذي تعاقبت فيه الخيبات العربية وتفتتت فيه أواصر الصلات بين الشعوب المنهكة من وطأة الاستبداد، ما الحاجة لدبلجة مسلسل كهذا على شاشة عربية؟

ومما يثير التساؤل أن المسلسل تم دبلجته باللهجة السورية على خلاف المعتاد في الدراما التاريخية، فقد درجت العادة على أن تكون لغة الدراما التاريخية بالعربية الفصيحة، سواء أكان العمل عربيا أصلا أو مدبلجا إلى العربية، وكان هذا العرف يؤكد في ذهن المشاهد أن هناك مسافة تاريخية أو ثقافية تفصله عن العمل، وتهيئه ذهنيا ونفسيا للاحتفاظ بهذه المسافة بحكم طبيعة العمل التاريخية أو كون العمل من ثقافة مختلفة. ينطبق هذا العرف حتى على الأعمال التاريخية العربية، فليس من المقبول مثلا أن يقدَّم مسلسل عربي عن الأندلس بلهجة دارجة، سورية كانت أو مصرية أو خليجية، لأن هذا جزء من الجو التاريخي المصاحب للعمل، كونه يحكي فترة لم تكن قد تبلورت فيها هذه اللهجات، ولذا يصبح أشد غرابة أن تتم دبلجة عمل أوروبي- أي من ثقافة مختلفة- ومن فترة تاريخية غير قريبة باستخدام لهجة عربية دراجة.

إن خطورة مسلسل “إيزابيل” تكمن في تقديم الرواية الأمثل لتلميع أبشع الإبادات على مرّ التاريخ وعلى شاشة عربية وبلهجة محكية تنزع كل الحواجز، فالمسلسل المعروض على قناة أبوظبي لا يأتي مفسّراً لأحداث تاريخية دمويّة فقط بل يقدم تبريرات كثيرة تجعل المتلّقى قادرا على ابتلاع المشهد وتجاوزه، على سبيل المثال يصوّر المسلسل القساوسة الذين قادوا أنكى حملات التنصير والتطهير الديني بصورة الخيرين الذين يرجون الخلاص للبشرية من خلال فعالهم، ويروّج لدمويتهم وإستئصال الأندلسيين من بلادهم على أنها حالة إضطرارية، كعملية بتر جراحية لابد منها لإحلال السلام. ففي مشهد حرق أحد اليهود الأندلسيين على منصّة محاكم التفتيتش لن تشعر بتعاطف مع اليهودي الذي يتلوى من الألم أمام ابنته التي تلحظ فراق روحه، بل ستتمتم في داخلك بأن الأمر مقبول، هكذا تعاد صياغة الأحداث التاريخية وهكذا تمرّ دون أن يطرف لنا جفن إنكارًا لذلك.

ربما يغيب عن الكثير أن قصة الأندلس لم تنته عند سقوط غرناطة، فقد تشكّل منذ ذلك التاريخ ملحمة نضالية لمجتمع عرف بالموريسكين، وهم الأندلسيون الذين فرض عليهم التنّصر أو الطرد، وقد عانى الإنسان الموريسكي في هذه الفترة من القمع والخذلان والتعذيب ومصادرة أبسط الحقوق كحقّه في الإحتفاظ بالإسم العربي أو أكل الكسكسي أو حتى الوقوف نحو المشرق، فعاش بهويتين مزدوجتين، هوية قشتالية مفروضة عليه في العلانية، وهوية أندلسية في الخفاء والسرّ، ثار مرارًا وغنى حزنًا مرات أخرى، وأصبحت قصّته قصة إنسان شوّهت ذاكرته وطمست حضارته، واليوم يغيبون تمامًا من الذاكرة الجمعية العربية، فما نعرفه عن بلادهم “الأندلس”، لا يتجاوز بكائيات ولطميّات أو تندرا ووقوفا بالأطلال، بل أن قصة الأندلس نفسها تنحصر في الخيال العربي عند حكاية الثمانية قرون وكأن الإنسان الأندلسي اختفي من وجه التاريخ بعد سقوط الحكم السياسي.

ظلّ هذا الإنسان الأندلسيّ في حالة صراع من أجل الحفاظ على هويته لأكثر من ثلاثة قرون بسبب القوانين التي فرضتها “إيزابيل” ومن معها، وقد دفع الموريسكي حياته ثمنًا لإيمانه.. قابضًا على جمر، فإن كنّا غير قادرين على تكريم سيرته بتخليد نضالاته، فعاى الاقل نستطيع، حياءً، أن نمنع الاحتفاء بمن عذبه وأباده وطمس هويته كما تفعل اليوم قناة أبوظبي مع سيرة “إيزابيل”؟ إن كنا غير قادرين على إحياء سيرة الموريسكي لماذا نحتفي إذًا بقاتله!