مدينة دروقة (2)

مدينة دروقة (2)

دروقة الرحلة …

اليوم الأول

كانت مدينة دروقة أو قلعة دروقة كما تسمّت في عهد الأندلس نكرة في مجال معرفتي الضّيق , أستغرب هذا الجهل الّذي يلمّ بنا , غريب حقّا أن تعرف لاس فيغاس الأمريكية أو ساو باولو البرازيلية رغم ما تعنيه لك المدنُ من قيمة كفرد مسلم … ” أي لا شيء” … و تجهل وجود مدينة سكنها مسلمون لمدّة تفوق ال800 سنة (كأندلسيين ثم كموريسكيين) و أقاموا بها القلاع , المساجد , و الدّيار …

خرجت بعد أداء صلاة الجمعة في المسجد الجامع بمجريط (مدريد) مساء ال 16 من شهر مارس 2012 قاصدا رحلة إخذتني إلى دروقة , سرقسطة و قلعة أيوب , انطلقت في جو مشمس بارد , هي ثلاثة ساعات من مجريط إلى سرقسطة عبر الطرّيق السّريع , لكننّي أفضل دائما الطّرقات الفرعية حيث تكثر الكنوز المخفية , و صلت إلى سرقسطة بعد المغرب بقليل و لكن لم أدخلها بل حوّلت وجهتي نحو دروقة عبر طريق يسمى طريق الفنّ المدجّن , طريق مليء بالقرى ذات الطابع الأراغوني الموريسكي تتميز بأبراج كنائسها ذات الهندسة الرائعة , كان الليل يرحّب بي إذ ضمّني بغطاء من البرد الدافئ, و ما إن وصلت إلى دروقة حتّى راقتني تلك الهيبة الأندلسية ذات العصور الوسطى , و كأنّ الزّمن توقف و لم يكسر سكونه إلاّ درّاجات ناريّة متوقّفة هنا و هناك …

ركنت السّيارة في ساحة قرب كنيسة اتضّح لي بعدها أنّها بنيت مكان الجامع القديم ثمّ اتّجهت نحو الفندق الّذي لم يكن يبعد كثيرا , تركت أغراضي و رحت أجوب أدغال المدينة ملتقطا صورا ليليّة أظنّني محوتها سهوًا , دروقة على شاكلة قرى أراغون فهي تختلف هندسيا عن بناء الأندلس الجنوبي فلا طلاء أبيض و لا أبنية مربّعة , فلون القرية أحمر بنّي كلون تربة أراغون و منازلها ذات شرفات و طرقاتها تتفاوت في السّعة , رجعت إلى النّزل أين تعشّيت حساء خضر ساخن ثمّ رحت أضع مخطّط زيارةٍ ليوم غد …

اليوم الثاني

بعد تناول الفطور في النّزل , خرجت إلى الساحة المركزية و توجّهت إلى مركز المعلومات السياحية حيث خضت حديثا شيّقا مع المرشدة التي كلّمتني عن ما تبقّى من آثار إسلامية في دروقة , كان هناك عرض وثائقي داخل المركز حول مدينة دروقة و لكنّني لم أشاهده لضيق الوقت , رحتُ أجوب أزقّة الحي الأعلى لدروقة و أنا منبهرٌ بعراقة منازله و بالتزاوج الممتع بين ألوان البيوت و الطرقات و أشجار الزينة …وصلت أوّلا إلى كنيسة القدّيس يحي التي كانت مسجدا و بقي من أجزائه القاعدة و المئذنة و بعض الأقواس و الأبواب , ثمّ تركتها خلفي بعد أن وجدتها مغلقة و اتّجهت إلى آخر صفّ منازل في أعلى الحيّ و الذي يقبع تحت أحد أقدم القلاع في الأندلس و التي بقيت شامخة تحرس دروقة من سرقة الزّمن و من اختلاس الذاكرة الإسلامية …

وصلتُ ما تبقى من القلعة بشقّ الأنفس و رحت أحيط بأسوارها و أجوب في مضاميرها منتشيا تلك اللحظات الجميلة التي ترحل بك إلى الماضي و لا تريك منه إلا وجها سمحا مبتسما …

القلعة و أسطورة مغارة مليحة

روت لي مرشدة المركز السياحي أسطورة تناقلتها ألسن الدروقيين عبر مرّ الزّمن ثمّ وجدت إشارة إليها أمام مكان وقوعها المفترض , تقول الأسطورة أنّه سنة 1110 مع دخول المرابطين لدروقة تأمّر ابن جامع المدينة و بنى قصرا داخل القصبة لجاريته مليحة التي جلبها من المشرق , مليحة هذه وقعت في غرام مسيحي إسباني مأسور داخل هذا الغار يدعى خايمي, كانت تراه من خلال قضبان الزّنزانة ,و في يوم من الأيّام هاجم العدوّ دروقة ففكّت مليحة قيد خايمي الّذي فتح بدوره الأبواب للمهاجمين فوقعت أرواح كبيرة لكن تغلّب جند ابن جامع و كشف أمر مليحة فـأمر ابن جامع بقتلها داخل المغارة , عاد خايمي إلى القصبة بعد أن عرف أسرارها فدخلها غازيا و سقطت دروقة بسبب حسن تدبيره, و لكنّه لمّا علم أنّ مليحة قتلت بقي حزينا على شفا المغارة إلى أن مات كمدا , و تقول الأسطورة أنّه بعد وفاة خايمي هذا بات شبح مليحة لابسة الأبيض يخرج كلّ ليلة يطوف أسوار القصبة , المغارة الآن تسمى مغارة العربية المسكونة وقد أردت زيارتها ليلا للقاء مليحة و لكن لم أبقى ليلتي تلك في دروقة

الحي المورسكي

بعد تناول غداء خفيف في أحد المطعمين الموجودين بقلب المدينة دخلتُ قلب الحيّ الموريسكي بدروقة, و قد استغربت وجوده داخل أسوار المدينة القديمة و خاصّة أنّ الموريكسيين كانوا يعاملون بنوع من الريّبة و الشك و كان حيّهم يوضع خارج الأسوار, كنت أنظر إلى المنازل و أنا أتسائل كم من مرأة أخرجت للنّور مسلما صغيرا بين تلك الجدران,و كم من شيخ سهر يقرأ القرآن تحت أسقفها , كم من مائدة وضع فيها طبق إفطار صائم رمضان … و كم من صوت خافت صلّى خائفا من قهر محاكم التفتيش , ثمّ كم من دمعة سالت و هي تودّع البيت بلا رجعة … علمت أنّه وجد في الحي العربي بدروقة عدّة مخطوطات عربية ترجع للموريسكيين عثر عليها مدفونة أو مخبـأة بإحكام في أسقف و جدران المنازل حين محاولة ترميمها…

غادرتُ دروقة بعد آخر جولة فيها بعد أن أيقنت أنّ الأندلس أكبر بكثير من غرناطة و قرطبة , و أعمق بكثير من عصر سيادة قرطبة و ملوك الطّوائف , الأندلسُ هي كلّ حجارة في تلك الجزيرة , الأندلس هي كلّ شرفة بيت و كلّ زقاق , الأندلس هي كلّ لحظة تبعت خطوات طارق …الأندلس حقيقةٌ بدأت و لن تنتهي أبدا …

جولة مصوّرة في دروقة

المواضيع ذات الصلة