مدانون مِن قبل محاكم التفتيش

مدانون مِن قبل محاكم التفتيش

تُتَرجم اللوحات التاريخية قوانين و تعريفات و نظريات و رؤى لأحداث مضت وانقضت بالمعنى الكرنولوجي، إلا أنها لا زالت تُشكِّل نسقا تركيبيا قابلا للدراسة والنقد باعتماد المنهج الفرضي الإستنتاجي. النظر إلى الوجود الإنساني في الحقب الماضية ولوقائع الحياة الإنسانية وللأحداث التاريخية في دلالاتها الأشدّ اتساعا، قد لا يبدو مكتملا إلا باستحضار اعترافات ريشة الرسام. فالريشة وإن تعرضت هي الأخرى للقمع و للإنصياع لأوامر دينية وسياسية إلا أنها تظل ممارسة حرة أولا وقبل كل شيء. تدخل عالم اللوحة، تطرح استفسارات قد لا تجد لها أجوبة. تتساءل عما هو حقيقيّ و عمّا هو مقبول. تغوص في لوحات من التاريخ البرغماتي الهادفة لاستخلاص تعاليم أخلاقية من أحداث منتهية ، وفي لوحات من التاريخ النقدي المهتم بنقد روايات تاريخية و غيرها من اللوحات.

تعتبر لوحة “مدانون مِن قبل محاكم التفتيش” من أهم الأعمال الفنية الإسبانية للقرن التاسع عشر. اللوحة للرسام Lucas Velázquez, Eugenio. ندخل من باب الرسمة إلى سياق تاريخي بامتياز. تشكل اللوحة نقدا إجتماعيا لاذعا لممارسات محاكم التفتيش الإسبانية. يعتلي المدانون ظهر دواب. يتعرضون لسخرية العامة و للضرب وللإعتداء الجسدي من طرف المارة والجماهير المتفرجة. نذكر على سبيل المثال الشخصية المتمركزة في وسط اللوحة والتي تستعين بأداة لممارسة اعتدائها الجسدي في حق ضحايا محاكم التفتيش. أما من لم يجد لهم سبيلا فيكتفي بتوجيه الشتائم والإهانات اللفظية عن بُعد. يترجم العمل معاناة وإحباط المتهمين. تسلط إضاءة خاصة على المشهد الرئيسي خالقة تدرجا ومزيجا من الأضواء والظلال لتعزيز إحساس المتلقي بحدث اللوحة بشكل عام. مع تلاعب بين التدرجات البنية والترابية كما كان سائدا في لوحات الحقبة.

يَحمِل الضحايا الظلام معهما في طريق خشِن الكبرياء. ملَّ الظلام سواده. و أرملةٌ هي التعابير والصور. تُجَنّ خُطا المتفرجين ويصيح درب المدانين من وجعٍ. وجعٌ يُوجِعُ الوَجَع. يمرون بالدرب دون أن يكونوا هناك. ولم تكن أفعال السب التي يلقيها الجماهير ممنوعة من الصرف. ومُنِعَ المدانون من الصرف! ولم يصحبهم دمع الخنساءْ. ولم تنفعهم مواعظَ سادة محاكم التفتيش البكماء. لا نجوم ، لاقمر ولا شمس باللوحة. ذَهَبتْ، ولم تَعُدْ.. لعلها تستحي أن تبرق حتى لا تجرح الإحساس.

جاءت اللوحة كشهادةٍ فنية توثيقية توضح للعالم وحشية ممارسات محاكم التفتيش وكتكريم بسيط لكل ضحاياها. اتسمت الفترة بإنتاج العديد من الرسوم المناهضة للعنف الإجتماعي الممارس باسم الدين والسلطة. أعمال فنية لا زالت بحاجة للدراسة والإهتمام. أعمال وإن تعرضت للرقابة وللقمع في تلك الحقبة من الزمن، إلا أنها خُلِّدَت للزَّمن.

ظهرت في القرن السابع عشر عدة لوحات تترجم بعض ممارسات محاكم التفتيش، يتطرق أغلبها لاحتفاليات هذه المحاكم. وتعتبر إحدى مجموعة رسومات غويا Francisco de Goya الأهم على المستوى النقدي. أبدت ملامح الكآبة الخاصة بالضحايا. كما جاءت مرفقة بتعليقات توضيحية، كُتب على إحدى الرسوم التي تتطرق لموضوع إدانة الأجنبي: ” مدان لازدياده بمكان آخر”. أحدثت رسوماته مشاكل مع جهاز محاكم التفيش، ولتجاوز التعقيدات المترتبة عنها، أهدى فرانسيسكو ذي غويا الرسوم الأصلية لكارلوس الخامس.

وبدورها لم لم تتوانى الإبداعات الأدبية للقرن الثامن عشر عن توجيه النقد ضد محاكم التفتيش. نذكر على سبيل المثال ما أورده الأديب الفرنسي فولتير في “كانديد”. وهي رواية فلسفية خيالية، وتعتبر من أشهر رواياته. كتبها عام 1759. ترجمها إلى العربية عادل زعيتر عام 1955. تبدي الرواية وحشية هذه المحاكم وتعصبها وممارساتها القمعية. و في منتصف القرن السادس عشر، وتزامنا مع ملاحقة البروتستانت، أبدت أقلام بعض ضحايا محاكم التفتيش الإسبانية التجاوزات السوداء الممارسة من قبل هذا الجهاز القمعي من أجل إشهارها وإطلاع عامة الناس عليها. ويعتبر الإنجليزي john fox أول من كتب عنها حيث خصص فصلا كاملا من كتابه the book of martyrs لتوضيح ممارساتها الشوهاء. مصدر آخر يفضح ممارسات محاكم التفتيش Algunas artes de la Santa Inquisición española كتاب نشر سنة 1567 بهايدلبرغ ( مدينة تقع جنوب غربي ألمانيا). يُجهل مؤلفه ويعتقد أنه يعود لضحيتين من الإسبان البروتستانت المنفيين وهما Casiodoro de reine و Antonio del corro. حقق الكتاب نجاحا فتمت ترجمته للإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الهولندية، مما ساهم في ترسيخ الصورة القاتمة عن محاكم التفتيش بأوروبا. كما عزز هذه التصورات الهولنديون والألمان، الأعداء التقليديون لإسبانيا.

تأسست محاكم التفتيش الإسبانية في 1478 من قبل الملوك الكاثوليك، كبديل لمحكمة التفتيش البابوية. وُجهت ضد الكاثاريون الذين حوكموا كهراطقة،و اليهود و المسلمين الذين أجبروا على اعتناق المسيحية بعد سقوط الأندلس. والعجيب أن دستور محاكم الفتيش لم يكن يعاقب الأحياء فقط وإنما حتى الأموات فيتم نبش قبورهم ومصادرة ما تركوه من ممتلكات!

سميرة فخرالدين

 

المواضيع ذات الصلة