كتاب “العرب لم يغزو الأندلس”

كتاب “العرب لم يغزو الأندلس”

كتاب “العرب لم يغزو الأندلس”

تأليف: اغناسيو أولاغي

ترجمة: الدكتور اسماعيل الأمين
عرض د. عادل سعيد بشتاوي
لعل البعض من قرّاء خفيف التاريخ الأندلسي يتساءلون وهم يقلبون كتاب “العرب لم يغزو الاندلس” لماذا يصرف باحث مهم مثل الدكتور اسماعيل الأمين أربع سنوات من عمره يستقرئ ويحقق ويترجم كتاباً عن الأندلس لم يسمع به الدكتور إحسان عباس حتى لو كان كاتبه (اغناسيو اولاغي) ينتمي إلى الجنسية الإسبانية!.
إلا ان هذا التساؤل لا معنى له عندما نكتشف ان الكاتب وضع مؤلفه الأصلي تحت عنوان “الثورة الاسلامية في الغرب”، فتلقفه فرنسي معجب يدعى “جان بايرت” فقدمه ولخصّه بالفرنسية ثم جاء الكتاب بالعربية نتاج فكر الاثنين وإن كان الدكتور الأمين أعلمني أنه عاد إلى الكتاب الاصل في مرحلة لاحقة ليتحقق منه ويثبت بعض أفكاره.
وعلى رغم انني لم أطلّع على الكتاب الأصل ولم أسمع بمؤلفه خلال إعداد دراسة عن المواركة في إسبانيا، فإنني أميل إلى إكبار عمل الدكتور الامين الذي وجد الكتاب “مؤلفاً صعباً موجهاً للمختصين” فاستخدم معلومات ومقدمات ومنهج المؤلف لـ”تبسيطه وتوضيبه وتنقيته وتلخيصه” كي ينقل الفكرة التي يريد الدكتور الأمين نقلها.
وقبل أن نستعجل الحكم على الدكتور الأمين ونتهمه ظلماً بوضع اسمه حيث وجب وضع اسم “اولاغي” لابد أن نعود إلى التسويغ الذي تعرضه المقدمة اذ يسجل فيها: “لم يتسم عملنا بالأمانة الخالصة، ففي كثير من الأحيان استخدمنا معلومات ومقدمات وكذلك منهج المؤلف للخلوص إلى نتائج مختلفة عن تلك التي خلص المؤلف اليها.”
هذا عن المؤلف/المؤلفين فماذا عن المؤلَف نفسه؟

يكاد الكتاب أن يقول أن انتشار الحضارة الإسلامية العربية لم يكن نتاج عمل عسكري لأن القدرات العسكرية التي تقيّم الامبراطوريات تزول مع الزمن ويبقى التأثير الحضاري أكثر عمقاً اذ وصلت الحضارة الهيلينية إلى أماكن لم يسمع بها الإسكندر المقدوني، وانهارت القوة العسكرية العربية ومع ذلك استمرت الحضارة العربية تزدهر، وانتشر الإسلام سلمياً في اندونيسيا وجزر المحيط الهادىء على رغم التفوق العسكري البرتغالي والهولندي آنذاك.

ويحاول الكتاب البحث عن الأسباب التي قدمت الطاقة الضرورية لهذا الانتشار فيقترح أن التاريخ ينتج ما يسميه تطور “الافكار/القوي” التي تتدفق وتتصارع مثل القوى الحيّة باعتبار أن الحضارة والازدهار تعبير عن أوج الفكرة/القوة المهيمنة، ويلجأ إلى تفسير أحداث الماضي بتطورات الحاضر، فديناميكية الإسلام في القرنين السابع والثامن، مثلاً، قابلة للشرح استناداً إلى الطريقة التي انتشر بها الاسلام في عهده القريب.
وهكذا يستنتج الكتاب من دراسة الحركات المشابهة أن انتشار الإسلام كان نتيجة الفكرة/القوة وليس نتيجة القدرة على الهجوم العسكري المسلح: “أما الاستمرار في الاعتقاد بان شعوباً تزدهر في بلادها حضارة مهمة تركت معتقداتها وغيرت عاداتها لأن حفنة من الفرسان الميامين قهرتها عسكرياً فلا يوحي إلا بمفهوم صبياني سخيف للحياة الاجتماعية”.
إن القول بأن انفراد الامبراطورية العربية من دون كل الامبراطوريات الأخرى بالاحتفاظ بمعظم المناطق التي فتحتها جيوش تلك الامبراطورية عمل لا يمكن تفسيره باستمرار القوة العسكرية، وإنما بطغيان الحضارة العربية واستتباب الإسلام في تلك المناطق، يكاد يدعم فكرة الكاتب لولا اصراره على التقليل المفرط من أهمية تلك القوة بل والتشكيك بوجودها أصلاً، فمن أين لعرب الصحراء العطشى بكل تلك الخيول الضرورية للفتح والحصان يحتاج ٠٤ ليتراً من الماء في اليوم!.

وطبعاً الحصان لا يُسقى باربعين ليتراً من الماء في اليوم كما ورد في ص 24، إلا أن الهدف من ادراج ذلك مفهوم ويصب في النهاية في حفرة تاريخية عميقة يجد المؤلف/المؤلفين نفسه معها في موضع غريب يفرض عليه، إما أن يلغي كل الفتوحات العربية أو يشكك فيها إلى الحد الذي يقترب جداً من اعطاء ذلك الانطباع.
وما يسريه الكتاب طوعاً على الفتوحات الأولى يسريه قهراً على فتح الاندلس (خرافة الغزو) والتشكيك بوقوع معركة وادي لكة (ص200). وعندما يشكك المرء بالحدث فلا بد أن يُلحق ذلك التشكيك بصاحب الحدث إلى الحد الذي لا يخلو من طرافة: “فما هي حقيقة الرجل الذي عرف باسم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي؟ ألا يمكننا الافتراض أن اولئك الفرسان الذين اندفعوا في غزواتهم حتى مدينة بواتيه الذين تدّعي الروايات أنهم عرب، لم يكونوا إلا من سكان جبال البيرينيه، ولم يُعرفوا إلا باسماء عربية!”ز
وهناك فرضية أكثر طرافة (الصفحتان 197-198) فباستقراء “رواية بربرية” تقول أن طارق بن زياد كان حاكم طنجة يستنتج اولاغي الآتي: “في هذه الحال لابد أنيكون قوطياً من أصل جرماني، ذك لأن اسمه المكتوب والمقروء باللغة القوطية Taric يدفعنا إلى قبول هذه الفرضية”. ويمضي الكاتب في الحاشية ليقول انأننهاية الاسم (ic) تعني بالجرمانية القديمة “ابن” … واسم Taric يعني “ابن تار Tar”.
ويسحب الكتاب هذا المنهج على موسى بن نصير فيقول “إما أن يكون موسى بن نصير شخصية خرافية، وبالتالي يتعين علينا استبعاد مآثره من التاريخ الرصين، وإما أن يكون لهذه الشخصية أساس في الروايات المصرية والبربرية وفي هذه الحال لا يكون موسى قائداً عسكرياً بل مبشراً دينياً.” (ص196)
وبما أن كتب التاريخ المتوافرة متخمة بهذه الأحداث وبسير أصحابها فإن من الطبيعي أنيجد الكاتب نفسه مضطراً إلى انكارها أو تسفيه مؤلفيها، فمعظم ماجاء في كتب التاريخ “خرافات” ومعظم المؤرخين “اخباريون” “مغفلون”، وما لا ينسفه الكاتب من أساساته يشبعه تشكيكاً.

إن الكتاب يحمل عنواناً فرعياً يقدمه كـ “رؤية تاريخية مختلفة” إلّا أن قراءة هذا الكتاب أعطتني الانطباع بأن هدفه الحقيقي هو إعادة ترتيب الحقائق المتوافرة عن تاريخ الاندلس في صورة تخدم فكرة الكاتب مقدمة لإعادة كتابة تاريخ شبه جزيرة ايبيريا بكامله، فيقرض من التاريخ عموداً من هنا أو عموداً من هناك، ويختار مجموعة معتبرة من المصادر التاريخية ليحيطها بشكوك واضحة من دون أن يقدم، في معظم الحالات، بدائل يمكن الاستناد عليها في إعادة النظر بذلك التاريخ.
ومع أن اطلاق أي حكم على هذا الكتاب يعتبر تجنياً صارخاً مالم يتمكن القارىء من درس مؤلف اولاغو الأصلي فإن من السهل فهم حماس الدكتور الأمين للفكرة التي حمّلها للكتاب وهي أن العمليات العسكرية التي وقعت في العام الميلادي 711 (إن وقعت!) لم تكن السبب في انتشار الإسلام والحضارة العربية لان الفتح كان حضارياً ودينياً قبل ان يكون عسكرياً.
ولكن إذا كان المؤلف الأصلي نفسه يربط بين الفكرة والقوة فلماذا يتحتم علينا أن نلغي القوة ونحيل طوعاً بعض القادة العسكريين العرب إلى مبشرين أو نعمد إلى ما هو اسوأ فنلغي عروبتهم ونكسبهم الجنسيات القوطية أو البيرنية!.

____

لتحميل الكتب اضغط هنا

لزيارة موقع الدكتور عادل سعيد بشتاوي اضغط هنا

المواضيع ذات الصلة