قراءة سريعة في وضع مسلمي أراغون قبل السقوط

قراءة سريعة في وضع مسلمي أراغون قبل السقوط

 

ربما تشبه الكثير من الممارسات الصليبية على مسلمي الأندلس مايفعله الكيان الصهيوني اليوم بمباركة الأمم المتحدة، من تمييز عنصري وتضييق على الشعب الفلسطيني واستيطان ممنهج واختزال للمورد البشري الفلسطيني في عمالة مياومة لاحقوق لها، ربما يكون هناك كثير من المتشدقين المتباهين بالتقدم والخروج من ظلمات القرون الوسطى، لكن المقاربة التاريخية لا تثبت إلا العكس.
إن التاريخ يعيد نفسه وبنفس ألوان الأمس،بعد معركة العقاب الشهيرة (16 يوليو 1212م)، بدأت أوراق الأندلس الخضراء تسقط الواحدة تلو الأخرى تباعاً، حتى أصبحت أعداد المسلمين من العامة التي تنطوي تحت حكم القشتاليين والأراغون وكبار دوقيات الصليب أكبر من أعداد المسلمين الأحرار، وربما من أسعفه الحظ أو الإمكانات استطاع النزوح جنوباً نحو ممالك غرناطة، لكن الأمور لم تكن بالسهولة المتوقعة، خاصة مع تبني حكّام قشتالة وأراغون في البداية سياسة الإسترقاق (مع من لم يتولهم حد السيف من العامة) وفرض المتابعات القانونية على من لم يتنصر، وتضييق جوار القبائل المسلمة بمستوطنات نصرانية تستحوذ على أراضيها وممتلكاتها بمباركة من القساوسة والحكام.مسلسل الإرهاب العرقي انطلق إذن بعد العقاب، فالهزيمة كان لها صدى كبير على المستوى الأوروبي، وحولت الكنيسة اهتمامها من التوسع شرقا إلى صب جام ثقلها على الوجود الإسلامي بالأندلس وجزر المتوسط، هكذا قويت بمباركة كبار الڤاتيكان شوكة الممالك الإسبانية، بل كان البابوات هم من يرسمون استراتيجية حرب الاسترداد (على حسب مسماهم) على المدى البعيد، بل والاهتمام بترسيخ الكاثوليكية قانونياً وتربوياً في كل شبر مسترد من أراضي الإسلام في الأندلس. لقد اضطلع الڤاتيكان بعد الحروب الصليبية على القدس بدور عسكري محوري وأصبح من الخبرة ما أهله لريادة الوضع السياسي في أوروبا لقرون.

لنناقش مثلاً وضع المسلمين في مملكة أراغون (قبل سقوط غرناطة):

ضمت مملكة أراغون كل مناطق سرقسطة بعد سقوطها (1118م) وطرطوشة (1200م) وبلنسية (1238م، بعد معاهدة تسليم مخزية) وجزر مايورقة (1220م، بعد مذبحة شهيرة) ويابسة (1235م) ومينورقة (1286م). أصبح كل مسلمي المدائن والمداشر ممن لم يهاجر بعد السقوط مباشرة يحملون صفة المدجنين، ونورد لكم جزء بسيطا من مظاهر الحياة العامة بعد كل سقوط:

– تلغى بنود معاهدات الاستسلام بعد سنوات.
– أغلب العامة من المزارعين تمت مصادرة أملاكهم أو أصبحوا يعملون في أراضيهم المملوكة بحسب القوانين الأراغونية للنبلاء الجدد مقابل مبدأ الإجارة.
– في الحواضر تتحول المساجد الكبرى إلى كنائس، يتم تفويت القصور ودور وجهاء المسلمين إلى تصرف النبلاء والدولة.
– تُلغى جميع عقود الملكيات لصالح النصارى الوافدين والمستوطنين لتشجيع الاستيطان، وكل تظلمات المسلمين لاترفع ولا يتم النظر فيها.

وبالدليل:

– بعد احتلال خايمي الأول الأراغوني لبلنسية وشاطبة وصكه عهود الصيانة مع المسلمين بشروط سخيّة لهم (مما أهلَّه لإغراء الكثير من الحواضر الإسلامية آنذاك)، ضغط بابا روما بشدة لإنهاء سياسة التعايش مع الوجود الإسلامي، وهو ماشجع خايمي لنقض عهوده بالرغم من معارضة النبلاء الطامحين في استغلال العمالة المسلمة،. فقامت ثورة للمسلمين تم قمعها بمساندة قوية من البابا كليمانت الرابع.
– سنة 1301م الملك خايمي الثاني يصدر قوانيناً تلغي الذاتية القانونية للمسلمين ساندها مؤتمر البابا كليمونت الخامس في ڤيينا سنة 1311م يقر إخلاء كل ممالك المسلمين.
– الملك ألفونسو الرابع سنة 1328م يعطي حرية التصرف للملاك والإقطاعيين في مأجوريهم المسلمين (حتى في العقوبة والقتل)… مع إثقال الجبايات والضرائب على العمالة المسلمة.
– انطلاقاً من سنة 1370م تم تشديد اجراء ات منع هجرة المسلمين إلى ممالك غرناطة والمغرب، والمقاضاة بمصادرة كل أموال المهاجرين المعتقلين واسترقاق من يقبض عليه منهم لحساب الإقطاعي الذي قبضوا على أرضه، كما يعاقب كل من ساعد المسلمين على الهجرة،ويمنع الآذان والمجاهرة بالشعائر الإسلامية في الأماكن العامة.

من خلال هذه الاستدلالات المختصرة تتضح أمور عدة لوضع المسلمين قبل إعلان سقوط غرناطة في مناطق الاحتلال:

– أن البابوية شكلت دور الرقيب الأعلى لسياسات الحكام النصارى.
– أن صرامة القوانين تشتد على المسلمين بمقدار التوسع الجغرافي للصليبيين بأراضي الأندلس.
– أن العامة المسلمة كانت تُدَّجن وتُسرق وتُذل قاطبة.
– أن التنصير لم يكن إجبارياً قبل القرن 16م لكن كثيراً من المدجنين انصهروا في المكون النصراني بحكم استرقاقهم وفقدانهم ممارسة شعائرهم خاصة أن الأمر يتعلق بمئات من السنين من الإضطهاد.
– والأهم أن ممالك غرناطة والمغرب بعد الموحدين، لم تستطع الكثير لدعم وضع المدجنين أو الوقوف إلى جانب ثوراتهم، لأن القوى العسكرية والسياسية لبني نصر وبني مرين لم تكن بالمستوى الهجومي الكافي واكتفت بالصد أو محاشاة المواجهة مع المداعبة السياسية الفارغة لحكام قشتالة وأراغون، أو التمظهر بانتصارات كاذبة لا قيمة حاكمة لها.