فن الفلامنكو الموريسكي

فن الفلامنكو الموريسكي

 

يلفت انتباه كل زائر للأندلس تواجد فرق من الهواة الذين يرقصون الفلامنكو في قلب الأماكن السياحية. فرق بين الهواة الذين يرقصون للمتعة وبين آخرين اتخذوا منه وسيلة لكسب المال.ت ارة على بُعد بضعة أمتار من قصر إشبيلية وتارة على مَطل القديس سان نيكولاس بغرناطة.

تتلوى أطرافهم المفطومة على رنين القيثارة لتعبّر عن خيبة وجراح. لتدندن كلمات في الحب راب عشقها فانفجر على صفوف المتفرجين. تعارك الراقصات الهواء بأيديهن و تعَنِّفنَ الأرض بقسوة بأرجلهن. قد تعبّر كلماتهن عن الحب أحيانًا ولكن أداء الرقصة الصلب والغناء القوي والخشن يعطي انطباعا أنك أمام معركة أو ملحمة شامخة.
عادة ما ترتبط فكرة الرقص والغناء بالسعادة والفرح والنشوة ولكنها قد ترتبط أيضا بالألم والمعاناة والحسرة والخيبة. فالمذبوح عند الإحتضار يرقص. والماء عند الغليان يتطاير ويرقص. وعصفور القفص يبثُ حنينه للحرية فيُغني ويرقص. فالرقص والغناء هما أحيانًا أبلغ تعبيرًا عن الألم والحسرة والخيبة من البكاء والنحيب والصراخ والعويل والندب والنواح والنشيج.
يعتبر فن الفلامنكو من الفنون النادرة التي تعبر عن الألم والمعاناة حيث تتكاثف صرخات المؤدِّين المؤلمة لتنسجم مع تصفيقات المتفرجين المتناغمة وشهقات إعجابهم التي تستجدي من الفؤاد “أُولِي أُولِي/ Olé Olé”
كلمة يعود أصلها لكلمة “الله” تغيَّر نُطقها مع الزمن لتصبح “أُولِي أُولِي”، عبارة تستعمل للتعبير عن الإعجاب. يتبادل المؤدين والمستمعين الشكوى من القلب للقلب. يغنون، يرقصون، ينتفضون، يتأوهون يلتحمون ويتلاحمون لساعات ثم يتركون المكان ويرحلون.
عادة ما يرتبط اسم الفلامنكو بالرقص وهذا غير صحيح، فالفلامنكو مزيج من الرقص والغناء والعزف. وُلد بالأندلس في القرن الثامن عشر من الموسيقى و الرقص الأندلسي. صيغت عدة نظريات حول أصوله ولكن تبقى أطروحة أصوله الموريسكية هي الأقوى.
تم تصنيف الفلامنكو كفَنٍ من التراث الثقافي المعنوي للإنسانية. الغناء، العزف والرقص إنها أوجه الفلامنكو الثلاث. تجاوزت شعبية الفلامنكو منطقة الأندلس لتصل إلى بلدان أمريكا اللاتينية مثل غواتيمالا، كوسطا ريكا، باناما، إيل سالفادور وبويرتوريكو، حيث انتشرت فرق وأكاديميات مخصصة للفلامنكو.
حسب بلاس إنفانتي أب الهوية الأندلسية، إن اسم فلامنكو مُستمد من عبارة “فلاح من غير أرض” أو “فلاح منكوب”. حيث اندمج المجتمع الموريسكي كأقلية ثقافية ضمن مجتمع آخر سائد. وبالتالي ظهر هذا الفن الموريسكي كمرتع لثقافة تُعاني التهميش فكان الرقص والغناء أداة للتعبير عن حرقة و معاناة من حالات القهر التعسفي التي كانوا يعيشونها. كما تُقدَّم فرضيات أخرى ترجع أصل اسم الفلامنكو لعبارة “فلاح منكو”و بالتالي “فلاح منكم”.
الفلامنكو ليس فنًا فقط بل هو جزء من تراث وتاريخ وهوية الكيان الأندلسي. إنه ملحمة تروي تاريخ إنسان طبع بقوة بصمات ثقافته على هذه الأرض. فن يروي كيف تخبطت جيوش الحنين في الطين، كيف وصل الموريسكي بخيبته وفجائعه حد الرقص، كيف استجدى صوته من آهات العذاب ثباتًا ليرقص رقصًا لا يجيد الرقة، يرقص رقصًا لا يجيد إلا الخشونة والألم.
سميرة فخرالدين