فنون أندلسية “فن الحفر فى الخشب”

فنون أندلسية “فن الحفر فى الخشب”

حظيت قُرطبة بشهرة كبيرة فى فن الحفر على الخشب وذاعت شهرتها بالذات فى صناعة المنابر، وقد أمدنا مؤرخو العرب بوصف رائع لمنبر جامع قرطبة ومقصورته الخشبية وكرسى المصحف العثماني.

تمت صناعة منبر مسجد قرطبة فى سنة 365 هـ، وكان خشبه من العاج والأبنوس وعود القاقلي، وكان عدد درجاته تسعًا (1) وعدد حشواته 36 ألف حشوة أو وصلة مسمرات بمسامير الذهب والفضّة، ورصّع بعضها بنفيس الأحجار (2) وكان اتساعه يصل إلى أربعة أشبار ونصف (حوالى 94 سم) وكانت ذراعاه الممتدان على جانبيه من أعلى الأدراج إلى اسفلها من الأبنوس، طول كل ذراع منها ثمانية عشر شبرًا(3.78 مترا) (3)، وقد وصف امبروسيو دى موراليس هذا المنبر فى سنة 1600 م، وذكر أنه كان قائمًا فى مصلى سان بدرو الواقع أمام المحراب فقال: “وهو عربة ذات أربع عجلات من الخشب منقوشة نقشًا بديعًا، ويصعد اليها بسبع درجات، وقد فكت هذه العربة بعد مضى سنوات قليلة، ولا اعرف لأي غرض، وبذلك ضاع هذا الأثر” (4) وكذلك وصفه الأب مرتين دى روا، اعتمادًا على نص موراليس فقال: “وكان عربة من الخشب ذات أربع عجلات منقوشة نقشًا رائعًا، وكان يصعد اليه بسبع درجات، ولكن لم يبق منه سوى الصندوق العاري، اذ ضاع باقيه بسبب الإهمال” (5).

ومن هذا الوصف يتضح لنا أن المنبر المذكور كان يتحرك على عجل، وكان يوضع بعد صلوات الجمعة فى غرفة تقع وراء المحراب، وقد اهتدى المهندس فيلث هرناندث إلى الموضع الذى كان يُحفظ فيه، وكان مجرد فتحة فى جدار المحراب اكتشفها فى يناير سنة 1934 أثناء قيامه بترميم العناصر الزخرفية بواجهة جدار القبلة فى القطاع الغربي المؤدى إلى المحراب. وتقع هذه الفتحة بالظبط فى جدار القبلة لصق الجزء الغربى من الدعامة التي ترتكز عليها البائكة الوسطى الواقعة بين البلاط الأوسط والبلاط التالى له من جهة الغرب، أي فيما يلي المحراب مباشرة على يمينه، أو في المنطقة الممتدة فيما بين المحراب وباب المشرع، وكان يدخل فى بيت المنبر عن طريق هذه الفتحة وكانت للفتحة مصراعان من الخشب وظيفتهما غلق بيت المنبر وكانت تربطهما بالجدار مفصلات من الحديد مثبتة بمسامير رؤوسها مضلعة، تبقّت منها آثار في العتب. (6)

وظلت قرطبة زمن الخلافة تحتفظ بشهرتها فى صناعة المنابر، ويعتقد أن ظهر المنبر الذى أمر المنصور بن أبى عامر بصنعه فى جامع الأندلسيين بفاس سنة 375 هـ (7) والمنبر الذى أمر المظفر عبد الملك بصنعه فى جامع القرويين بفاس من خشب القنب والأبنوس عام 395 هـ (8) تم عملهما على أيدى صنّاع من قرطبة.

ويذكر صاحب الحلل الموشية أن عبد المؤمن بن على نقل إلى جامع الكتبية منبرًا عظيمًا كان قد صنعه بالأندلس فى غاية الإتقان صنع من العود وصندل أحمر وأصفر، وصفائحه من الذهب والفضّة، وأقام للمسجد مقصورة من الخشب وقام بصنع المنبر والمقصورة الحاج يعيش المالقى (9) ونستدل على أن هذا المنبر صنع بقرطبة من نقش كتابى كتب فيه “صنع بمدينة قرطبة حرسها الله”(10).

ونعتقد أيضًا أن منبر جامع القصبة الكبير بإشبيلية “فى عصر الموحدين” صنع فى قرطبة، وذلك من خلال الوصف الذى أمدنا به ابن صاحب الصلاة إذ يقول: “صنع المنبر من أغرب ما قدر عليه الفعلة من غرابة الصنعة، واتخذ من أكرم الخشب مفصلًا منقوشًا محكمًا بانواع الصنعة والحكمة فى ذلك من غريب العمل وعجيب الشكل، مرصعًا بالصندل، مجزعًا بالعاج والأبنوس، يتلألأ كالجمر بالإشعال وبصفائح من الذهب والفضة، وأشكال فى عمله من الذهب الإبريز” (11) وكان للمنبر بيت يحفظ فيه شأنه شأن منبر مسجد قرطبة ومنبر مسجد الكتبية، وقد صنعا في قرطبة على يد الصانع الحاج يعيش المالقي، الذى لا نستبعد أنّه تلقى أصول فن الحفر فى الخشب على أيدي صناع قرطبة، ولم يتبقَّ للأسف من منبر قرطبة شيء نستدل منه على فن الحفر فى الخشب فى العصر الأموى، ولكن يمكننا أن نتخيله بعد تطوره إذا شاهدنا منبر جامع الكتبية بمراكش (12).

ومع ذلك فقد تبقى من أمثلة على فن الحفر فى الخشب بقرطبة مسقف بيت الصلاة بالجامع التى تزدان بزخارف هندسية ملونة ومنقوشة من دوائر وفصوص ومسدسات ومثمنات.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-ابن غالب، فرحة الأنفس ص 29 – المقرى، نفح الطيب ج 2 ص 88

2- المقرى، نفح الطيب ج 2 ص 89

3- ابن غالب، “محمد بن أيوب الأندلسى” فرحة الأنفس ص 29

4- فيلث هرناندث قصة المنبر المتحرك فى القرن العاشر بمسجد قرطبة

5- د\ السيد عبد العزيز سالم، قرطبة حاضرة الخلافة فى الأندلس ج 1 ص 344

6- د\ السيد عبد العزيز سالم، المرجع السابق ص 345

7- د\ السيد عبد العزيز سالم، مقال عن جامع الأندلسيين ومن كتاب بيوت الله مساجد ص 194

8- ابو الحسن على، زهرة الآس فى بناء مدينة فاس ص 41

9- الحلل الموشية ص 108

10- مرزوق، الفنون الزخرفية الإسلامية فى المغرب والأندلس ص 159

11- ابن صاحب الصلاة، “عبد الملك بن محمد بن احمد” المن بالإمامة، ص 478

12- د\ عبد العزيز سالم، المرجع السابق ج 2 ص 148

المواضيع ذات الصلة