غطاء رأس الرجال في الأندلس “العمائم”

غطاء رأس الرجال في الأندلس “العمائم”

اهتم الباحثون فى تاريخ الحضارة والمجتمعات الإنسانية إهتمامًا كبيرًا بدراسة الألبسة والأزياء بإعتبارها مقياسًا للمستوى الذى بلغته الحضارة المادية من تقدم أو تأخر فى حقب التاريخ المختلفة أو ما اصابته هذه المجتمعات الإنسانية من إزدهار إقتصادى أو تدهور. (1)

وكان نصيب العصر الإسلامي من هذه الدراسات عظيماً بفضل ما زودتنا به المصادر العربية وكتب التراجم والطبقات والمعاجم اللغوية من مادة علمية وفيرة فيما يتعلق بالألبسة لا سيما الرجالية، من ذلك على سبيل المثال: كتاب “الطبقات الكبرى” لإبن سعد الذى يتضمن أسماء كثير من الألبسة العربية التى كان يلبسها من ترجم لهم من الصحابة والتابعين، وكتاب “الأغاني” لأبى الفرج الأصفهانى، وابن منظور في “لسان العرب” الذي أرود بعض التفاصيل عن شتى أنواع الألبسة. (2)

ألبسة الرأس- العمائم

العمائم تيجان العرب(3) لبسها سادتهم وروساؤهم فى الجاهلية والإسلام، وكانت تعرف أيضاً بالتاج والعصابة(4)، فالعصابة والعمامة سواء، وكانت للعمائم فوائد جمة ذكرها ابن قتيبة فى قوله: “قيل لأعرابى إنك تكثر لبس العمامة، فقال: إن شيئاً فيه السمع والبصر لجدير أن يوقى من الحر والقر” (5). وذكروا العمامة عند أبي الأسود الدؤلي فقال: “جنة فى الحرب ومكنة من الحر، ومدفأة من القر، ووقار فى الندى، وواقية من الأحداث وزيادة فى القامة، وهى بعد عادة من عادات العرب”.(6)

والعمائم أنواع من حيث المكانة الإجتماعية لحامليها، فهناك عمائم للخلفاء، وعمائم للعلماء، وأخرى للفقهاء، وعمائم أهل الذمة، كما أنها كانت تختلف من حيث نوع النسيج، فمنها عمائم الفوط الملونة، وعمائم الوشى المطرزة، وعمائم الخز أو الحرير، وعمائم القز المطرزة بالذهب، وعمائم الشرب وهي ما رقّ من الكتّان، وعمائم القصب وهي من رقيق الكتان الناعم. (7)

ويذكر المقرى نقلاً عن ابن سعيد المغربي أن الغالب على أهل الأندلس ترك العمائم لاسيما فى شرق الأندلس، أما أهل الغرب الأندلسي، فلا تكاد ترى فيهم قاضيًا ولا فقيهًا مشاراً إليه إلا وهو بعمامة، وقد تسامحوا بشرقها فى ذلك، ويضيف ابن سعيد قائلاً أنه رأى عزيز بن خطاب أكبر عالم بمرسية حضرة السلطان فى ذلك الأوان، وقد خطب له بالملك فى تلك الجهة، وهو حاسر الرأس وشيبه قد غلب على سواد شعره. (8)

ويتابع المقرى حديثه عن لباس الرأس عند أهل الأندلس فيقول: “وأما الأجناد وسائر الناس فقليل منهم من تراه بعمّة فى شرق منها أو في غرب، وابن هود الذى ملك الأندلس فى عصرنا رأيته فى جميع أحواله ببلاد الأندلس وهو دون عمامة، وكذلك ابن الأحمر الذى معظم الأندلس فى يده الآن”

ويبدو أن أهل الأندلس كانوا لا يستطرفون لباس العمائم، ومن الأدلة المعبّرة عن ذلك أن الفقيه يحيى بن يحيى الليثى كان لا يلبس العمامة، فلما سُئل عن ذلك قال: “هى لباس الناس فى المشرق وعليه كان أمرهم فى القديم، فقيل له: لو لبستها لاتبعك الناس فى لباسها، فقال: قد لبس ابن بشير الخز (يقصد القاضى محمد بن بشير المعافرى قاضى قرطبة فى عهد الأمير الحكم الربضى) فلم يتبعه الناس، وكان ابن بشير أهلاً أن يقتدى به، فلعلي لو لبست العمامة لتركني الناس ولم يتبعوني كما تركوا ابن بشير”. (9)

ويختلف الأمر فى الأندلس بالنسبة للأمازيغ، فكان رؤساؤهم يؤثرون العمائم، ولهذا كانت العمائم من بين التحف والهدايا التى يهادى بها خلفاء بنى أمية رؤساء البربر ووجوههم المستأمنين، من ذلك ما خلع به عبد الرحمن الناصر على حميد بن يصل والقرشى السليمانى من عمائم الشرب المذهبة، وصلة الحكم المستنصر بالله لأحمد بن عيسى شيخ بنى محمد اذ هاداه بثلاثة عمائم خز أحدها سمائية والثانية حمراء والثالثة خضراء، وصلته لإبراهيم بن عيسى أخي أحمد المذكور بثلاثة عمائم خز تفاحية وخضراء وفيروزية(10). وفى سنة 362 هـ أرسل الحكم المستنصر إلى قائده غالب الناصرى فى جملة ما أرسله إليه مائة عمامة ملوّنة ربما ليوزعها على رؤساء البربر لإستمالتهم.

ونستدل على أن أهل الأندلس كانوا لا يستطرفون التعمم، بالصور المنقوشة على العلب والصناديق العاجية،انتاج دار صناعة قرطبة ومدينة الزهراء من عصر الخلافة وتمثل أشخاصًا من الطبقة الخاصة فى المجتمع القرطبى جالسين، ينتشون بسماع لحن زامر أو عواد أو دفوف فى مجالس الطرب عقدوها فى الجنات والبساتين، وصور فرسان من البيازرة يركبون الخيول ويحملون على أكفهم صقوراً وبزاة، وأخرى لصيادين للوحوش يطعنون بعضها برماحهم، وجميع هذه الصور المنقوشة تمثل الرجال حسر الرؤوس وقد بدا الشعر فى جميعها منسدلاً على الجباة، ويدور بحيث يغطى خلف الرأس ويصل إلى نهاية العنق والكتفين وكأنه خوذة يضعها الرجل على رأسه.(11)

ومع ذلك كانت العمائم لباس الرأس المفضل للعلماء والفقهاء، فقد ذكر الزهرى أن المستنصر بالله أمر بالمناداة فى أزقة قرطبة بألا يتعمم رجل لا يحمل جامع المدونة حفظاً وفقهاً، فتعمم فى قرطبة انذاك ثلاثمائة رجل ونيف.(12)

ويذكر ابن عذارى أن الحاجب عبد الرحمن شنجول ابن المنصور بن أبي عامر أمر الرجال من أهل الخدمة – وكان أغلبهم يلبس القلانس – بطرح البرانس ووضع العمائم، وهددهم بأشد العقوبات، وفى زمن الفتنة التي أطاحت بشنجول وأججت الحرب الأهلية فى قرطبة، ألبس المهدى محمد بن هشام بن عبد الجبار محمد بن يعلى المغراوى ويصل بن حميد القلانس وأمرهما بأن يخلعا العمامة ففعلا. (13)

ونخرج من هذا إلى أن أهل الأندلس كانوا لا يميلون إلى عادة تغطية الرأس بالعمائم بإستثناء أهل العلم من الفقهاء، وكذلك رؤساء الأمازيغ وقلما وجد فى الأندلس من يتعمم، ويعلق ابن سعيد على ذلك بقوله: “والذؤابة لا يرخيها إلا العالم، ولا يصرفونها بين الأكتاف وإنما يسدلونها من تحت الأذن اليسرى، وهذه الأوضاع التى بالمشرق فى العمائم لا يعرفها أهل الأندلس وإن رأوا فى رأس مشرقى داخل بلادهم شكلًا منها أظهروا التعجب والإستطراف، ولا يأخذون أنفسهم بتعليمها، لأنهم لم يعتادوا ولم يستحسنوا غير أوضاعهم”. (14) ومصداقًا لذلك ما رواه المقري، إذ ذكر أن أبا الحسن الفكيك البغدادى، كان يمْثُل بين يدي المعتمد بن عبّاد بقصر إشبيلية وعلى رأسه عمة لازوردية فوق طرطور أخضر وهو نوع من أنواع العمائم العراقية فى ذلك الوقت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع :

1 – صالح أحمد العلى، الألبسة العربية فى القرن الأول الهجرى، دراسة أولية مستلة من المجلد الثالث عشر من مجلة المجمع العلمى العراقى، بغداد ص3.

2- صالح أحمد العلى، المرجع السابق ص7.

3- الجاحظ، البيان والتبيين تحقيق الاستاذ عبد السلام هارون،ج3، ص97.

4- بدرى محمد فهد العمامة، بغداد ص5.

5- ابن قتيبة، عيون الأخبار ج1 ص300.

6- الجاحظ، نفس المصدر ص97.

7- بدرى محمد فهد، المصدر السابق ص14.

8- المقرى، نفح الطيب ج1 ص207.

9- الخشنى، تاريخ قضاة قرطبة ص26.

10- ابن حيان، المقتبس ص132.

11- سحر عبد العزيز سالم، ملابس الرجال فى الأندلس فى العصر الإسلامي ص7.

12- الزهري، كتاب الجغرافيا ص88.

13- ابن عذارى، البيان المغرب ص48 ،82.

14- المقري، نفح الطيب ج4.

المواضيع ذات الصلة