غرناطة – رمانة الجنة الأخيرة 4 – المساء الأخير

غرناطة – رمانة الجنة الأخيرة 4 – المساء الأخير

الكاتب إبراهيم أحمد عيسى

غرناطة – رمانة الجنة الأخيرة

“المساء الأخير”

“في اُلْمساءِ الأخيرِ على هذه الأرضِ نَقْطَعُ أيَّامَنا
عن شُجَيْراتِنا ، ونَعُدُّ اُلضُلوعَ الَّتي سَوْفَ نَحْمِلْها مَعَنا وَالضَّلوع الَّتي سَوْفَ نَتْرُكُها، ههُنا …
في الْمساءِ الأَخيرْ لا نُوَدِّع شَيْئاً ، ولا نَجِدُ الْوقْتَ كَيْ نَنْتَهي…
كُلُّ شَيْءٍ يَظَلُّ على حالِهِ ، فَالمَكانُ يُبَدِّلُ أَحْلامَنا وَيُبَدِّلُ زُوّارَه.
فَجْأًةً لَمْ نَعُدْ قادِرين على السُّخْرِيَة فالْمكان مُعَدُّ لِكَيْ يَسْتَضيفَ الْهَباءَ…
هُنا فِي المساءِ الأخيرْ.”

محمود درويش

1 يناير 1492م

اعتلى القمر سماء غرناطة حزيناً يلقي بضوئه الخافت على وجهها الممتقع ، رغم ملامحها الباهته إلا إنها مازالت تحمل عزة تسببت بغصة لم تغادر صدرها ، زفرات نفثت فيها هموم أعوام من الصراع الأهلي داخل غرناطة ، سنوات مرت عليها في قصر الحمراء عزيزة كريمة حرة ، لم تقبل إلا عزة ومجد لأمتها ولكن سُطر في كتاب القدر الرحيل ، كما سيرحل قمر غرناطة الأخير …

كانت عائشة الحرة هي سيدة الحمراء وكم بغضت ما يفعله زوجها ابو الحسن من ترف و لهو ومجون ، فبعد أن كانت هي ام اولاده المفضلة لديه أصبح هناك محظية أخرى ، جارية رومية من قشتالة سرعان ما سلبت لُب العجوز وأصبحت ” ثريا ” هي المتحكمة في مقاليد الحمراء وأجنحتها ، وبعد أن كان ولدها أبو عبد الله محمد هو ولي العهد ، جاءه من الاخوة اثنان يحملان عيون أمهم القشتالية ، والتي سرعان ما لعبت بعقل ابي الحسن ، و أمر باعتقال زوجته الحرة و ولديها و تحديد إقامتهم ببرج قمارش ، الأمر الذي أثار سخط العامة و بعض من كبراء الدولة ، واصبحت قصص عائشة الحرة و ثورتها على زوجها الماجن تذاع فى الأسواق وتتناقلها الألسن … إلى أن هربت ليبدأ فصل جديد من فصول ليالي غرناطة الأخيرة .

استطاعت أن تفر من الحمراء بواسطة بعض المتعاونين ومن خلفهم بنو سراج نبلاء غرناطة وأقوى عائلاتها ، بينما كان ابو الحسن في لوشه يقارع فرق قشتالة ، لبثت مختفية حيناً مع ولديها في وادي أش واخذ الناس يتعاطفون معهم اكثر فأكثر ، يزداد عدد مؤيدي ابنها أبو عبد الله ، و بينما يخسر المسلمون مدينة الحامة ، يرد أبوه على قشتالة بإنتصار ساحق في لوشة برفقة القائد إبراهيم العطار ، ليعود إلى غرناطة منتصراً مختالاً وكأن زوجته وأولاده هربوا … تجهمت الأجواء من حوله و احتشد الناس في شوارع غرناطة … ثورة عظيمة تنادي باسم الفتى الصغير … أبو عبد الله محمد بن الأحمر .

صفحات أخيرة

 

مرت عائشة الحرة … ببهو الأسود زاد عددهم بفعل ظلال منحهم إياها القمر الأخير … تمنت أن ينفخ فيهم الإله روحاً ، ليدافعوا عن مجد أضاعه ابنها … تتذكر ذلك اليوم الذي اعتلى فيه ابنها العرش ليفر أبوه … زوجها الذي كانت لا تتمنى له تلك النهاية … هارباً إلى مالقة حيث يواجه الزغل قشتالة وحيداً … أكان من الخطأ ما فعلته … أكان من الخطأ وضع فتى مرفه على كرسي العرش … فالصغير حاول أن يحصل على مجد مثل عمه الزغل … أراد أن يقارع قشتالة … ليته ما فعل … أراد أن يلحق بقشتالة هزيمة موجعة بعد هزيمة مالقة … فسار ملك غرناطة المجاهد إلى قرطبة بجيش جرار يفتح القرى و الحصون … ولكن جيش قشتالة فاجأه ودارت معركة شرسة … بين الجيشين قتل قادتها و أسر بعضهم وكان تعيس الحظ من بينهم .

دخل قرطبة ذليلاً يمتطى فرسة الأسود متقدماً كبار قواده المحاطين بالجند ، وعاد الجند المهزوم إلى غرناطة بائساً ، لعلها تسمع همهمات المدجنين في ربوع الأندلس … يقولون أن ملك الاندلس أسر … ملك غرناطة في قبضة قشتالة ..

تشاور كبراء غرناطة وأهلها بعد الفاجعة ، وقرروا الاستنجاد بأبي الحسن ، الذي عاد لغرناطة ملكاً مرة أخرى ، وقد حاول بكل السبل أن يفتدي ولده ولكن لقشتالة رأي آخر ، فالأمير الأسير له أهمية كبرى … فحظي بمعاملة حسنة واحترام بالغ ، وفي غرناطة كانت عائشة تجهز رسول إلى قشتالة ليفتدي ولدها ، قبلت الشروط السرية التي عاد بها الوزير بن كماشة من قشتالة :

يفرج عن ولدها مقابل الإفراج عن بعض الأسرى القشتاليين و أن يصبح الأمير تحت طاعة قشتالة مقابل ان تحميه الاخيرة وتمكنه من العرش ، وان يدفع بضع صناديق من الذهب كجزية سنوية للملكين فرناندو وإيزابيلا وبعض البنود الأخرى التى تجعل منه تابعاً صغيراً لقشتالة .

عاد أبو عبدالله من الأسر إلى غرناطة في خضم حربها الأهلية ، فعمه الزغل المتربع على عرش غرناطة بعد وفاة أخيه ابو الحسن ، ينازع آلمرية التى يتحصن بها أبو الحجاج يوسف الطفل الثاني لعائشة الحرة ، وفي خضم الصراع الأهلي ، ضاعت مدينة رندة في الغرب … فكانت فاجعة كبرى … تبعها سقوط لوشة … وأصبح بادرا للعيان أن غرناطة تتهاوى وأن الاندلس غاربة لا محالة …

فبعد عدة معارك طاحنة اصبحت مملكة غرناطة مقسمة وفق ما خططت له قشتالة ، واصبح هناك مملكتين في غرناطة بعد ان كانتا لعمر طويل كيان واحد ، واصبح أبو عبدالله الصغير حاكماً شرعياً لغرناطة برعاية قشتالة ، أما الزغل فقد أصبح يملك إمارة مالقة وما يجاورها من حصون متبقية … تشرذمت الأندلس الصغيرة كما كانت سابقتها …

 

صباح 2 يناير 1492م

سنوات مرت كطيف عابر … ومملكة غرناطة تنحسر أكثر فأكثر ، الصغير لم يعد يطيق مواجهة قشتالة ، ترك مالقة للسقوط بعد حصار لم يشهد التاريخ مثلة ، قصفت بالأنفاط – المدافع – و حوصرت بحراً وبراً في حملة صليبية باركتها أوروبا ، اكتفى بمراسلة مصر وأفريقية وسائر الأمصار يناشدهم الغوث ، أي غوث ينتظره جالس على عرش لا يتحرك ، الحصون تتساقط بأيدي قشتالة تباعاً ، وغرناطة قطعت كل سبل نجدتها وطوقتها قشتالة من كل جانب ، وطلبت من أبو عبد الله تجديد الهدنه وفق شروط أشد قسوة ، ولكنه أبى وأثر الدفاع والمقاومة فخرج على رأس جيش من الفرسان سطر ملاحهم عظيمة واسترد بعض الحصون والقرى ، فما كان من قشتالة إلا محاصرة حاضرة غرناطة ، حصار دام لشهور ، حصار جعل الجنة تجوع ، فقد كان هناك عبىء ثقيل فى غرناطة المكتظة بالسكان ، أكلوا لحوم جيادهم ، وقاوموا الحصار الشديد ، فسفن قشتالة تقف في البحر الزقاق ، وتفصل بين العدوتين المغربية والاندلسية ، وقد تيقن الجميع انتهاء عصر المسلمين فى الأندلس …

تتجه عائشة مغادرة قصر الحمراء ومن حولها الخدم … ترفع رأسها في عزة منحها إيها ، فارس كان صوته يدوى فى تلك القاعات … موسى بن أبي غسان ، رأته من فوق برج الحمراء وهو ينطلق بجواده مخترقاً فرق قشتالة … يصارعهم حتى اثخنته الجراح ولكنه لم يستسلم … كان على ابنها ألا يستسلم … كان عليها ألا تهرب وتنازع زوجها الملك … على كل حال تنصرت ثريا وأولادها كما فعل الوزراء من بني كماشة … ولم يبقى من بني سراج سوى بقعة دماء في بهو سمي بأسمهم … أما بنو الأحمر فلم يبق منهم إلا ما يقول الراوية .. ولا غالب إلا الله تلقاك في كل زاوية .

 

ها هي تغادر الجنة الأخيرة … وها هم يدخلون رافعين رايات قشتالة …
” آه على ملك أضاعته التفرقة واللهو …. آااه على ملك ضاع يوم تفرقنا .

 

المواضيع ذات الصلة