غالب والمنصور

غالب والمنصور

كان غالب بن عبد الرحمن الناصري زعيم المماليك الناصريين ومولى عبد الرحمن النّاصر وكان مقرّباً من ابنه المستنصر وكان فارساً مغواراً شجاعاً تولّى قيادة الثّغر الأدنى وكان من أقوى القادة العسكريين (الجنرالات) في الأندلس وكان موالياً لبني أميّة وخادماً لولايتهم، لقّبه المستنصر بذي السّيفين كما كان يلقّب بفارس الأندلس. سعى ابن أبي عامر المنصور بعد أن بدأ دسائسه للسّيطرة على الحكم إلى الوقيعة بين غالب وبين الحاجب جعفر المصحفي أقوى رجل في الدّولة حينها و مؤتمن سرّ صبح البشكنسية والدة الخليفة هشام المؤيد وكان جعفر المصحفي قد انتبه أنّ المنصور يريد الاستئثار بالحكم لنفسه بعد أن قاما سوّياً بتنحية الفتيان الصّقالبة، فذهب إلى غالب يخطب ابنته أسماء إلى ابنه محمد إلاّ أنّ ابن أبي عامر خطبها لنفسه على خطبة المصحفي فصاهره غالب وتسنّى له تنحية المصحفي بعدها.

علم غالبٌ أنّه لم يبق من منازع لابن أبي عامر في الأندلس سواه فداهنه وعمل على إظهار الودّ له، وكان أن خرج المنصور في غزوة دعاه إليها غالب وقد كان أعّد له وليمة في برج مدينة أنتيسة، فلمّا ركن له المنصور واختلى به غالب قام فنهره وعاتبه ولامه متهما إيّاه بزعزعة أمر الأندلس والتفريط في الكثير من البروج والمواقع ثمّ شرّع بسيفه فضربه ضربة قطعت بعض أنامله وجرحت رأسه وكانت الضّربة لتقضي عليه لولا أنّ قاضي مدينة سالم خلف بن يامن الذي كان حاضراً في الموقعة شدّ غالباً من يده فخفّت الضّربة.

ارتعب المنصور فجرى إلى جواده واتّجه به نحو المنحدر فسقط من أعلى البرج بفرسه فشجّ رأسه وجرحت ذراعه غير أنّه لم يحصل له أذى أكبر لأنّه وقع على سقف بيت محاذي للبرج امتصّ الصّدمة، قفِل المنصور راجعاً إلى مدينة سالم حيث ترك جيشه ومدينة سالم كانت مقرّ غالبٍ ودار أهله.

وقد أجمع المعلّقون على تاريخ المنصور على أنّ هذه الحادث دليلٌ على حسن طالع المنصور، و أنا أوافقهم في ذلك لأنّ البرج شديد الانحدار والعلوّ وما نجاة المنصور من سقطته إلاّ دليل على أنّ الله أخّره لنصرة قضية الأندلس سنيناً طويلة.

وقعت هذه الحادثة في أواخر رمضان سنة 369 هـ، الموافق لشهر نيسان/أبريل980م ، ولم يرجع المنصور إلى قرطبة إلاّ في أوائل ذي القعدة بعد أن فتح مدينة سالم واستباح ممتلكات غالب وفرّقها بين الجند، وكان غالب سمع بذلك فاستطاش غضباً وقتل القاضي خلف عقاباً على منعه من قتل المنصور، ثمّ عمد إلى معقله مدينة سالم و دعا ملك ليون راميرو الثالث إلى حلف ضد المنصور فاستجاب له وكانت لهما مواقع ضد المنصور عادت فيها الغلبة إلى حلف غالب حتى حلول شهر محرّم من عام 371هـ جويلية 981 م حيث سار المنصور بجيشه لملاقاة غالب وراميرو فكانت المعركة في سهول أنتيسة وكانت الغلبة في أوّل الأمر لغالب الذي استطاع أن يفرّق ميمنة جيش المنصور التي كانت مكوّنة من الأمازيغ ثمّ حمل على الميسرة المكونة من الأندلسيين ففرّقها أيضا قبل أن يهجم على قلب جيش المنصور فتزعزع المنصور دخله الخوف واضطرب وتظاهر الثبات كي لا يتفرق الجيش فرجع غالب إلى أحلافه وقادته قائلا :” كييف ترون عاقبة الصّبر، قد كسرنا جناحي القوم، وبقي القلب، وإنّما ثبت من فيه حياء من هذا الأحدب الملعون” ثمّ دعا غالبٌ اللهَ أن ينصر من كان فيه خير للإسلام والمسلمين وأن يقبض الآخر وهجم على قلب جيش المنصور مع حلفائه النّصارى غير أنّه عثر عليه ميّتاً وليس في جسده أثر لضربة سلاح وقيل أنّه وجد مرميّا وجواده قربه يلوك لجامه، فكان موته غامضاً وبقي لغزاً محيّراً، فلمّا سمع جندُ غالب بموته دخل فيهم الرّعب وتفرّقوا وبلغ المنصور أنّ غالباً قد مات فلم يصدّق حتى أُتي بيده وفيها خاتمه ثمّ أُحضر له رأسه فانطلق حاملاً على جيش غالب وراميرو فانهزم الجيشان وقُتل جمعٌ كبير من قادة النصارى وكان هذا الفوز بداية لعهد سيطرة ابن أبي عامر المنصور على الأندلس.


أعمال الأعلام ص 60-65 , لسان الدين بن الخطيب ,تحقيق ليفي بروفنسال – بيروت 1956 الطبعة الثانية

Maria luis Ávila – sobre Galib y almanzor “Al Qantar. Revista de Estudio Arabes”; Volm. II Fasc. 1 y 2, Madrid 1981

المواضيع ذات الصلة