عودة الملك الميت

عودة الملك الميت

توفي الملك سيباستيان ملك البرتغال (من 11 يونيو 1557 -4 أغسطس 1578) في معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة.و هي معركة قامت في 4 أغسطس 1578م. تعود أحداثها إلى تطور الصراع القائم حول السلطة بين محمد المتوكل والسلطان أبو مروان عبد الملك إلى حرب مع البرتغال بقيادة الملك سبستيان الذي عزم فرض هيمنته على جميع الشواطئ المغربية، ومنع الدولة المغربية من إعادة الكرّة على الأندلس بمعاونة العثمانيين. انتهت المعركة بهزيمة الإمبراطورية البرتغالية التي فقدت في هذه المعركة سيادتها وملكها وجيشها والعديد من رجال الدولة. استغل فيليب الثاني ملك إسبانيا الفرصة وقام باحتلال الإمبراطورية البرتغالية سنة 1580.

توفي الملك سيباستيان في ربيعه الرابع والعشرين. ونتيجة لهذه الوفاة ولعدم وجود أي وريث شرعي قد يتسلم سلطة عرش البرتغال من بعده، استولى فيليب الثاني من إسبانيا على عرش البرتغال. قلة هم من رأوا جثة الملك سيباستيان وأقل منهم استطاعوا التعرف على الجثة. لم يتقبل شعب البرتغال وفاة ملكهم سيباستيان. واعتقدوا أن ملكهم سيعود يوما ما لتخليصهم من الإحتلال الإسباني وأنه ينتظر فقط الفرصة المناسبة. هكذا انتشرت أسطورة مفادها أن الملك سيباستيان لا زال على قيد الحياة. وأنه ينتظر فقط الوقت المناسب للعودة للعرش وتحقيق استقلال البرتغال بإقصاء سيطرة الأجنبي فيليب الثاني.

تعود أصول الأسطورة لسنوات طويلة ممتدة إلى ما قبل ولادة الملك سيباستيان. ألَّف الشاعر ثاباطيرو باندارا ما بين 1530و 1546 قصائد غنائية تتنبؤ بظهور الملك الذي سيخلص العالم من المآسي وسيعلي شأن البرتغال على المستوى العالمي. وبذلك فإن أسطورة عودة سيباستيان الذي توفي سنة 1578 تندرج ضمن هذا السياق. ساهمت أفكار ثاباطيرو وأبياته الغنائية في رؤية أهل البرتغال في ملكهم سيباستيان ذلك البطل المرغوب والمُخلِّص. لم يتقبلوا فكرة اختفائه فانتشر اعتقاد شعبي يقضي بعودته يوما ما. بل ظن البعض أنه قد عاد بالفعل وأنه ينتظر على متن سفينة مرساة على نهر تاجه.

هكذا ، ونسبة للملك سيباستيان، نشأ ما يعرف ب السيباستيانيزم وهو عبارة عن عقيدة فكرية أو إيديولوجيا لم تنتشر فقط بالبرتغال وإنما أيضا بشمال شرق البرازيل حيث تم تكييفها حسب المعتقدات والمتطلبات والظروف السياسية والمعيشية السائدة هناك. تُرجم السيباستيانيزم في المجتمع بحالة من السخط وعدم الرضا عن الوضع السياسي القائم وتوقع الخلاص عن طريق حدوث معجزة الإنبعاث أو عودة الحياة لشخص ميت أو تكذيب موته. ليكون السباستيانيزم بذلك حركة فكرية عمت البرتغال في منتصف القرن السادس عشر كنتيجة لوفاة الملك سيباستيان في معركة القصر الكبير سنة 1578.

انتحل عدة مغامرين و محررين شخصية الملك سيباستيان تطلعا للمنفعة الشخصية أو لجلب أكبر عدد من المناصرين . بعضهم واجهوا مصيرهم البائس بالإعدام شنقا كالمغامر الإيطالي ماركو توليو الذي استطاع أن يلف حوله بعض النبلاء البرتغاليين و ماطيوس ألباريس الذي ناصره فلاحون من عدة مناطق بالبرتغال وانتهى به المطاف بالإعدام شنقا بلشبونة. ورغم أن العديد منهم اكتشف أمرهم وتمت معاقبتهم ومحاكمتهم إلا أن ذلك لم يمنع استمرار أسطورة السيباستيانيزم التي عاشت بطريقة أو بأخرى حتى بعد تحقيق استقلال البرتغال.

ومن أهم الأعمال المنساقة في فكر حركة السيباستيانيزم كتاب “رسالة” للشاعر البرتغالي أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا (13 يونيو 1888–30 نوفمبر 1935) هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما أنه كتب وترجم من اللغة الإنجليزية والفرنسية.يتبنى الكتاب موقفا “سيباستيانيا”. وإن جاء بعد مضي قرون على وفاة الملك سيباستيان. والهدف هنا التغني بماضي البرتغال العريق. للإشارة يعتبر “بيسوا” السيباستياني الأخير والأكثر شهرة بين رواد السيباستيانيزم. و لقد خلد الشاعر اسم “دون سيباستيان” بقصيدة في هذا المعنى سماها باسمه. ترجمها للعربية نزار آغري:

الدون سبستيان, ملك البرتغال
مجنون، نعم، مجنون، لأني اشتهيت العظمة
هذه التي لا يمنحها القدر.
لم استطع احتواء يقيني داخلي
ولهذا، وحيث يقوم الشاطئ الرملي،
فإن وجودي هو ما بقي وليس ما هو قائم?.
جنوني، دع الآخرين يتقبلوه مني
وكل ما يحتويه
فمن دون جنون ما هو الإنسان
ان لم يكن مجرد حيوان جيد الصحة
وجثة مؤجلة تتوالد باستمرار؟

حُمِلت معتقدات السيباستيانيزم مع مهاجري البرتغال إلى شمال شرق البرازيل. ولقمع السيباستيانيزم البرازيلي الذي رأى فيه خلاصا من العبودية والجوع والفقر، نُظِّمت حملات عسكرية أهدرت أرواح عدد هائل من ساكنة منطقة سارطاو البرازيلية في مجازر بشعة. أسطورة (الملك سيعود في صباح ضبابي) لا زالت شائعة إلى يومنا هذا كإرث ثقافي لغوي . حيث تستعمل الجملة للتعبير عن حالة مزاجية قد يصعب ترجمتها إلا باللجوء لاستعمال هذه العبارة. وتعني أن الأشياء التي نطمح إليها ونتمنى حدوثها وبشدة لا بد لها إلا أن تتحقق على أرض الواقع وأن تحدث عاجلا أم آجلا.

سميرة فخرالدين

المواضيع ذات الصلة