صفحة من الكشوفات الجغرافية

صفحة من الكشوفات الجغرافية

لا أعرف عن الفلبين سوى اسمها الذي اشتق من اسم الملك الإسباني “فيلب الثاني”، كمكافأة تشريفية من المستكشفين الجغرافيين، لهيمنته على هذه البلاد بعد سلسلة طويلة من حملات الإبادة والقتل الممنهج.

هذا الرجل قد يكون أيقونة فارقة في حقبة الكشوفات الجغرافية، وهو أيضًا عراب الفترة الأعتى في عهود “إسبانيا” الناشئة، يمكن أن نصف عهده ببداية العصر الذهبي للإمبراطورية الإسبانية، إذ يعود له الفضل في صياغة وجه مدريد عاصمة إسبانيا، وهو أول من اتخذّها مقرا للحكم بعد أن أمر ببناء بلاطه العظيم الأسكوريال على مقربة من المدينة عام 1561.

أسفرت الحركة الكشفية عن نتائج بالغة الأهمية غيرت شكل العالم، كانت الدوافع الاقتصادية محركا أساسيا لها إلى جانب الدوافع السياسية والدينية الخاص منها والعام.

الإسكوريال الذي بني على نسق عمراني يحاكي هيكل سليمان في رمزية مضمورة، يضم ديرا وكنيسة قديمة ومقابر ملكية والأهم من كل ذلك مكتبة ضخمة عتيقة، ولذا يعدّ من أهم المنجزات الحضارية للملك فيليب الثاني، إذ تبع إنشاءه تحولات جمّة في التوجه الثقافي الإسباني من عناية بالأدب والتراث والفنون والكتب والمخطوطات.

قد يبدو هذا الجانب مشرقا بلا شك، لكن السياق التاريخي للفترة الزمنية الذي حكم فيها فيليب وضعه على المحك، إذ كان والد فيليب الامبراطور شارل الخامس يحارب الأتراك العثمانيين والبروتستانت المعادين للكاثوليكية بالإضافة للفرنسيين، في هذه الأثناء بدأ فيليب تولي مقاليد الحكم مبكرا، التركة المثقلة دفعت عهده ليكون موسوما بالسياسات الانتقامية تجاه كل من لا يدين بالكاثوليكية، حتى غدى في صدارة أهدافه تحقيق ما سماه بالوحدة الدينية بالقضاء، مما اقتضى ملاحقة مسلمي الأندلس بالتنصير الجبري أو التهجير القسري، حتى وصلت محاكم التحقيق “التفتيش” الكنيسة ذروتها في عهده ، إن السياسة الإقصائية التي انتهجها هذا الرجل ارخت بظلالها السوداء على كل السواحل التي حطت فيها السفن الإسبانية في مختلف القارات مع رحلة الكشوفات الجغرافية.

لقد أسفرت هذه الحركة الكشفية عن نتائج بالغة الأهمية غيرت شكل العالم كله، كانت الدوافع الاقتصادية محركا أساسيا لها إلى جانب الدوافع السياسية والدينية الخاص منها والعام، توسعت التبادلات التجارية وتغيرت مواقع الموانئ الأبرز والطرق الملاحية، وظهر على إثرها الإنتاج الرأسمالي الضخم وتولد شكل اجتماعي جديد ساهم في تكوينات طبقية برجوازية أثرت على مجمل أوروبا من جانب وعلى إسبانيا والبرتغال من جانب آخر.

كانت أعمال الغزاة المستكشفين في مجملها شديدة القسوة والعنف، سلب ونهب وبسط للنفوذ وسلخ للثقافات وفرض للغة، هذا كله ترافق مع حملات دينية باركت كل هذه الفعال وسخرت من نفسها خدما لسطوة الطغاة.

بدأت حقبة الكشوفات الجغرافية مع وصول المستكشف البرتغالي بارثولوميو دياز إلى رأس الرجاء الصالح أقصى نقطة في جنوب القارة السمراء عام 1488، هكذا كانت البرتغال أول دولة أوروبية تنطلق في هذه المغامرات الكشفية، تبعها اقلاع كولومبس بحملة استطلاعية في ذات عام سقوط غرناطة 1492 مستندا على تركة بحثية تؤكد أن خلف هذه البحار جزر وعوالم أخرى في أرض كروية لا منبسطة، سرعان ما شبّت منافسة حادة بين إسبانيا والبرتغال في حركة الملاحة البحرية، منافسة شرسة لتأمين حق كليهما في الأراضي الجديد بكل ما فيها من ثروات وعبيد.

كاد هذا الصراع المحموم في رحلة تقويض العالم لممتلكاتهم الخاصة أن يؤدي إلى حرب ضروس وطاحنة فيما بينهم، في تلك اللحظة تدخلّت البابوية لكبح جماح ذاك السعار المحموم، وفرضت عليهم معاهدة وقعت عام 1494عرفت بمعاهدة تورديسيلاس (Treaty of Tordesillas).

هذه المعاهدة التي قسمت حركة الكشوفات البحرية بين إسبانيا والبرتغال تُعدّ من أغرب معاهدات التاريخ الحديث، إذ أنها شرعنت فكرة امتلاك أراضي الغير بكل ما فيها من خيرات واستعباد بالقوة والبارود، لا نحتاج للإشارة هنا إلى أن المقصود بالغير هو تلك الأراضي التي تقع خارج قارة أوروبا.

وبناءً على هذه الاتفاقية تم تحديد نقطة تقع إلى الغرب من جزر الرأس الأخضر بنحو 1500 ميل، وعند هذه النقطة رسم خط وهمي من الشمال إلى الجنوب اقتضى بموجبه أن يصبح كل ما هو غرب الخط لإسبانيا، وكل ما هو شرقه للبرتغال، وفي ذلك كوميديا تاريخية إذ أن البرتغال تقع في الجهة الغربية لشبه جزيرة آيبريا أما إسبانيا ففي الجهة الشرقية، ومع ذلك فقد وزع الامر في اتجاهات مغايرة نظرًا لاعتبارات الكشوفات الأولى لدياز البرتغالي وكولمبس الإيطالي الإسباني.

صحيح أن المعاهدة تلتها معاهدة، وأن القوانين تبعتها قوانين، لكن دعنا نقف لبرهة، تخيل أن هذا العالم تم توزيعه بين قوتين اثنتين برسم على الورق وبقرار باباوي لم يستشرنا فيه أحد؟ ما قيمة الإنسان في تلك اللحظة؟ ما قيمة الإنسان في هذا العالم الإقطاعي؟

لا أذكر ما درسته في الابتدائية، لكني لا أنسى بريق عين مدرس الجغرافيا وهو يتحدث بامتنان بالغ لحركة الكشوفات الجغرافية التي رسمت الملمح الأهم في القرن الخامس عشر الميلادي، والتي شكلت حسب تقديمه الطريق الممهد لعصر النهضة بكل ما فيه من حراك ثقافي وبريق علمي واتساع بحثي وريادة بين الأمم، تعبيد عماده العلوم البحرية والفلكية، وقوته في الأساطيل الجرارة التي سُخرت لها كل الموارد من أجل الرفعة المعرفية.

اتضح لي أن ما كنت أعتقده محض زيف وأن ما درسته حقائق منقوصة وأن هذه الدروس التي لا أعلم من كتبها أخفت الكثير بقصد أو دون قصد.

كان يتحدث عن المستكشفين الـ”كونكيستدور” وكأنهم حملة لسندان الحضارة والتنوير، وكأن فيليب الثاني بطل ساهم في انتشال العالم الرجعي من التخلف والانحطاط ونشر التنوير الثقافي، معلمي تجاهل تاريخ شعوب أطول من عمر هذه الإمبراطوريات الوليدة التي صاغت مجدها بالاستبداد والطغيان تحت عباءة الكشوفات الجغرافية.

هنري الملاح، كبرال، ألفونسو البوكيرك، فاسكو دا غاما، كريستوفر كولمبوس، أمريكو فيسبوتشي، فرناندو ماجلان.. مستكشفون ورحالة تعلقت في سيرتهم وأنا في المدرسة، كنت أنظر لهم بعين الفخر والامتنان، وكان درس التاريخ الذي يتناول حقبة الكشوفات الجغرافية هو الأكثر إمتاعا، كانت خرائطهم هي أول ما بحثت عنها عند ولوجي لعالم الإنترنت.. ذات الإنترنت الذي صدمني مع مراصد بحثه المفتوحة كاشفا الكثير لمجرد نسخ اسم من هذه الأسماء على صفحة البحث، من هؤلاء؟ ماذا كانوا يفعلون في ديارنا؟ ماذا وجدوا في عوالمهم الجديدة؟ وماذا قدموا حقًا للبشرية؟ وماذا أخذوا منا؟ وماذا تركوا لنا؟

اتضح لي أن ما كنت أعتقده محض زيف وأن ما درسته حقائق منقوصة وأن هذه الدروس التي لا أعلم من كتبها أخفت الكثير بقصد أو دون قصد، وما المهم إذا؟ هل سيتغير شيء لو دُرست التاريخ بشكل مختلف؟ على الأقل كنت سأفهم شكل النزف مستمر حتى اللحظة.

المواضيع ذات الصلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *