دراسة حالة: صعوبات إنشاء المساجد في إسبانيا

دراسة حالة: صعوبات إنشاء المساجد في إسبانيا

يعتبر حق فتح أماكن العبادة من الحقوق الرئيسية الموجودة في قانون الحرية الدينية، والذي يعترف به في المادة 2.2 من هذا القانون الدستوري. ووفقاً للسيد رودريغيث بلانكو فإن هذا الحق يذهب إلى أبعد من “إكتساب مساحة أرضية للعبادة” ويقول: تقتضي هذه الحرية تحديد معنى الحصول على مكان للعادة والهدف منه أي بناؤه وفتحه ليستخدمه المصلون” (1) . لكن بدون شكّ، حينما نرى الوضع الحقيقي نجد أن هناك العديد من العوامل التي تصعب فتح المساجد (2).. من بينها

  • وجود ظاهرة “الإسلامفوبيا” في المجتمع الإسباني. توجد قطاعات مجاورة تحرك وتضغط على السلطات المكلفة بإعطاء الرخص لفتح المساجد (في هذه الحالة تضغط على البلديات المحلية).
  • عدم اهتمام السياسيين على الرغم من أن البليدات مرغمة على إعطاء قطع أرضية من أجل بناء أماكن للعبادة لمختلف الديانات ولكن في الأمر الواقع تلك السلطات تجهل تمامًا حقوق الأقليّات الإسلامية فلا تطبقها.
  • الضعف الإقتصادي للجماعات المسلمة، وبالذات تلك المنحدة من الهجرة، حيث في معظم حالاتها، لا تستطيع أولًا تملّك ما يكفي من الموارد المالية لدفع بناء مسجد، وبذلك عليهم أن يكتفوا بفتح قاعات للصلاة في شقق أرضية أو في الطوابق السفلى للعمارات السكنية، وأحيانًا في ظروف غير ملائمة للصلاة والعبادة.
  • انعدام تأهيل العديد من المرشدين المسلمين والذين يجهلون الإجراءات القانونية لفتح مكان للعبادة حتى أنهم في بعض الأحيان يفتحونها بطريقة شبه سريّة.
  • إن الصعوبات لفتح مساجد جديدة نتجت من أن الموجودة تستقبل أعدادا كبيرة وكثييفة من المصليين حيث أنها تتجاوز وبكثرة الأعداد المسموحة ، حتى أنه في بعض الأحيان، تتم الصلاة في الشارع أو في أماكن غير مناسبة بالنسبة لمجتمع غير مسلم، ويغتنم “معارضو بناء المساجد” هذه المواقف ليحرضوا البلديات على إغلاق قاعات الصلاة المستعملة منذ عدة أعوام.

لا نحتاج أن نتحدث هنا عن أهمية المساجد بالنسبة للمجتمع الإسلامي، ليس فقط من الناحية الدينية بل ومن الناحية الإجتماعية كأماكن للتجمع والتعبير الجماعي عن هويتهم. وبالذات حينما نتحدث عن جاليات المسلمين المهاجرين، فالمسلمون المهاجرون يعتبرون المسجد وسيلة لإظهار وتحققّ وجودهم أمام باقي المجتمع، ولكونها الجانب الذي يبرز وجود الإسلام بشكل واضح. فهي تخلق توترًا وخوفًا بين المواطنين غير المسلمين. ففي الوقت الذي تنوي فيه جماعات ما فتح مسجد، تجد نفسها في مواجهة الإحتجاجات من مجموعات مجاورة، متأثرين بالحملات التي تشنّها وسائل الإعلام”ضد الإسلام” والخوف الناتج عن الإرهاب والخوف غير العقلاني من الغريب، أو من منظور أكثر مادية، بسبب الخوف من تضييع قيمة السكن، حيث إن وجود “المسجد” في مكان ما يترتب عليه جلب العديد من المهاجرين المسلمين حوله، مما يقللّ من قيمة البيوت السكنية في المنطقة.

 

دراسة لحالة واقعية في مدينة بادالونا

في العقد الأحير نجد أنه قد أسست أكثر من 50 جمعية ضد بناء المساجد في إسبانيا. ويمكننا الإشارة إلى أحداث عديدة منها أحداث “بريميا ديل مار” أو مدينة “مرسية” أو مدينة “روس” أو مدينة “ليريدا” أو “إشبيلية”.

سنتناول في هذه الدراسة حالة مدينة”بادالونا” لنضعها كمثال لما يجرى في وقتنا الحالي. تقع مدينة بادالونا بجوار مدينة برشلونة والتي هي في الحقيقة مرتبطة بها ويسكنها 15000 مسلم.

ويمكننا تحديد بداية المشكلة في تشرين الأول أكتوبر من عام 2004 عندما قامت مجموعة من سكان المنطقة المسلمين بإستئجار محل شارع “أنسليم ريو” بحي “سينغيرلين” لإستخدامه كمركز ثقافي إجتماعي. وبعد ذلك بثمان شهور بدأ المسلمون يجتمعون فيه لأداء الصلاة، وفي حينها بدأت إحتجاجات الجيران، وكنتيجة لذلك أمرت البلدية المسلمين بترك إستعمال المكان كمسجد، وقد وافقوا على ذلك بشرط أن تجد لهم البلدية مكانًا بديلًا لذلك.

وكإجراء مؤقت سمحت البلدية بإستعمال ذلك المحل نفسه كمسجد خلال شهر رمضان المبارك. لكن جيران المنطقة لم يتقبلوا ذلك وبدؤوا حملة عنيفة ضد المسلمين. ففي كل مساء وفي ساعة الإفطار كانوا يحاولون – حوالي مائة شخص من الجيران – منع إقامة الصلاة بإستعمال اللافتات والصياح بعبارات عنصرية وأواني الطهي والأبواق. وقد حصل هؤلاء المتظاهرون على رخصة من البلدية للقيام بذلك.

في مواجهة هذه التظاهرات المعادية للمساجد، تحركّت مجموعة أخرى من المواطنين “غير مسلمين” مساندين لحقوق المسلمين من بينهم جمعية (أوسكار روميرو المسيحية الأصولية Asociacion Oscar Romero de cristianos de base) خلال هذه الأحداث. وقامت الشرطة المحليّة بحماية الحركة المضادة للمسجد” ووقفت ضد “الحركات المؤيدة للمساجد” وتظاهراتها.. بعد الأسبوع الأول لشهر رمضان، نظمت الجماعة المسلمية “إحتفالا شعبيا” والذي دعت إليه مختلف قطاعات المجتمع بما في ذلك أعضاء الحركة “المضادة للمسجد” فقرأ إمام المسجد السيد توفيق الشدادي “بيان التعايش” مذكرًا بأننا نعيش في بلد يضمن حرية العبادة.

ولكن في نهاية شهر رمضان، أمرت البلدية بإغلاق المحل، وأغلق بعنف من طرف الشرطة المحلية حيث تم إخلاء الأشخاص الذين كانوا يصلون بداخله، ومنع إدارة المسجد من جلب المعدات التي كانت لديهم هناك، عاملوهم كصعاليك بدون أن يتدخلّ أي من الحكومة الإسبانية أو الحكومة القطالونية ضد كل ما يحصل. ولم يتخذّوا أي إجراءات تضمن حق ممارسة الحرية الدينية.

ولم يكن هذا سوى بداية لمحنة مسلمي “سانتا كولوما” وبادالونا . ففي شباط فبراير 2005، أغلقت البلدية محلًا آخر للعبادة بشارع “ليتز” قريب جداً من المحل الأول والذي كان مفتوحاً قبله بأربع سنوات. وللمرة الثانية كان هذا الغلق نتيجة لحملة منظمة “ضد إنشاء المساجد” والتي برهنت طلب غلقها لأنهم لم يكن لديهم التصاريح اللازمة والرخص الضرورية بفتحها من البلدية. الرخصة التي رفضت البلدية المحلية إعطاءها رغم حسن نية الجمعية المسلمة بالقيام بالتعديلات الضرورية.

وكإجراء ادعائي، بدأ المسلمون يجتمعون من أجل صلاة الجمعة في ساحة البلدية. خلال ذلك، تم إعتقال توفيق الشدادي في عملية مزعومة ضد الإرهاب. حيث إن نداءاته المستمرة من أجل التعايش وحقوق المسلمين ليست ببعيدة عن هذا الإعتقال الذي يتواطأ بوضوح مع الحركة المضادة لبناء المساجد.

اقترحت البلدية بعد ذلك أن تتم صلاة الجمعة في المركز الرياضي لكن مرة أخرى وبسبب الإحتجاجات المضادة تم إلغاء ذلك الإقتراح في مارس 2005. ظهرت إمكانية فتح مسجد في منطقة “جورج الصناعية”. في مستودع صناعي مساحته 600 متر مربع، كان إقتراح البلدية أن تستخدما كلتا الجماعتين الإسلاميتين ذلك المكان بالإضافة إلى هذا . قررت البلدية في نفس الوقت أن تقدم نفس المكان لجماعة من “الغجر الإنجليز” وبالطبع نتج عن هذا توتر مفهوم، فالجماعتان مختلفتان تماما في أداء شعائرهم الدينية، ولهما الحقّ في الحصول على أماكن مختلفة للعبادة.

كما لو كان الأمر هينًا ، اعترض الحزب الشعبي لبادالونا على هذا الإتفاق مدليًا بحجج كمثل “لا يمكننا أن ننسى بأن جزءًا مهماً من ممارسي الإسلام يعتقدون ويقولون بأن دينهم لا يتوافق مع دستورنا ومع قيمنا الديموقراطية مثل مساواة المرأة”.

في تموز يوليو 2006، ولأجل تفادي الإدعاءات المختلفة وبسبب عدم تمكّن الجهات الرسمية من العثور على حلّ مناسب وافقت جميع الأحزاب السياسية في المنطقة وبأمر قضائي، على فتح أو تأهيل أي مكان للعبادة لمدة عام كامل في منطقة بادالونا. حينئذ، تساءل المجتمع الإسباني – وبالذات المسلم- إن كان للبلدية الحقّ في التعليق ولو “مؤقتاً” على ما يعترف به الدستور الإسباني بنفسه كحقّ أساسي للمواطن في أي حال من الأحوال. هذا ما فعلته.

بعد إنتهاء السنة المحظورة، ظهر مشروع طلب قطعة أرضية من البلدية لأجل “ممارسة العبادة” في حي “كونغريسو” بنفس المدينة وللمرة الثانية، أعطت لهم مكاناً في المنطقة الصناعية، خارج المدينة ومرة أخرى، نتج عن الإقتراح رد فعل مضاد من بعض المواطنين.

في أواخر 2006 وقعت حادثة مؤسفة أخرى، حين بدأ “الحزب الشعبي اليميني”بجمع الإمضاءات ضد تحويل قطع أرضية عمومية لبناء مسجد. وكان الشعار المستعمل هو “لا لبناء المساجد في قطع أرضية عمومية” خطاب إحتوى على نداء ظاهر للإقصاء ضد الدين الإسلامي، بالرغم من أن القانون يوجب على الإدارات الحكومية تهيئة ومنج الأراضي العمومية من أجل الممارسات الدينية الخاصة للأقليات في إسبانيا، والغريب في الأمر هو إحترام هذا القانون حينما يتعلق الأمر بديانات أحرى، بدون أية مشاكل وعادة في أراضي عمومية، جيث إن “الحزب الشعبي اليميني” نفسه أعطى مئات الرخص في الأعوام الأخيرة لبناء الكنائس الكاثوليكية. حتى هذا الحين كانت المجموعات الخائفة من الغرباء هي من تنظم هذه التظاهرات، ثم حدث لأول مرة أن جاءت المساندة لهذه الحملات من قوة سياسية بتمثيلية برلمانية وبطريقة نشيطة. جمع “الحزب الشعبي اليمينية” على 2008 تواقيع ضد منح الأرض للمسجد وبهذا تم سجب المشروع مرة أخرى.

ومنذ 2008 وكنتيجة عن هذا الإغلاق وعن الصعوبات المواجهة للحصول على أماكن للصلاة، لم يبق لأكثر من 15000 مسلم بـ”بادالونا” في نهاية المطاف إلا أن يستخدموا محلاً واحداً مساحته 90 متر مربع مفتوحًا كمسجد في شارع أسيا في حي “ليفيا” . على الرغم من أنه فتح بعد ذلك مكانان آخران، إلا أنهما لا يكفيان لسدّ حاجة المسلمين في المنطقة.

لقد أنجز مركز اليونيسكو بقطالونيا “خريطة التنوع الدينية ببادالونا” وذلك بطلب من البلدية نفسها. يكمن ملاحظة أن هذه الخريطة توضح وجود 14 كنيسة إنجليلية مفتوحة. وهذا على الرغم من أن الجماعة المسلمة هي أكبر من الجماعة الإنجيلية بخمس مرات. ولدى “شهود يهوه” قاعتان للصلاة، وحتى السيخ أنفسهم يمتلكون محلين للعبادة، يتعلق الأمر إذن برفض خصوصي “للمجتمع المسلم” والذي لا يظهر أو يتم بنفس الشدّة بالنسبة للجماعات الدينية الأخرى.

________

نصّ مقتبس من ورقة بحثية كتبها عبدالنور برادو Abdennur Prado ، بعنوان الفكر الإسلامي الجديد بالأندلس في الوقت الحاضر والحقوق الدينية للمسلمين، نشرت في كتاب “إنبعاث الإسلام في إسبانيا”ـمركز المسبار للدراسات والبحوث، دبي، مايو 2013.