سوء التفاهم الأبدي بين الأصدقاء

سوء التفاهم الأبدي بين الأصدقاء

ترجمة: سميرة فخرالدين

 

في الأزمات، يصعُب استيعاب كيف أن كل تقارب يُصبح فورا عداء وكيف أن العلاقات تُلَطَّخُ بالخلافات.

 

يَحقُّ لمواطني كل من إسبانيا والمغرب التساؤل عن سبب عجز الحكومتين عن الحفاظ على علاقات الصداقة التي تربط بين بلدين متجاورين.

بما أن التوترات دورية، فإن كل ما على الدولتين فعله هو تدارك كل خلاف وبالتالي تجنيب الشعوب تجرُّع المِحَن. لماذا تخضع علاقة الجوار بين البلدين للإنزلاقات والإحتكاكات والخلافات؟ أليس هناك مجال للتفاهم؟.

إن وضع العلاقات الإسبانية المغربية بعد نهاية الإحتلال سنة 1956 ومخلفات الصراعات الإقليمية والصيد البحري توضح أنه لا زالت هناك العديد من المواد العالقة وأن الإصطدامات بين البلدين مازالت مستمرة. على الرغم من مضي 50 سنة على نهاية عهد الحماية الإسبانية إلا أن عدوى النزاع الإقليمي لا زالت تنتقل إلى مجمل العلاقات الثنائية على الرغم من حسن النية المبين على المستوى الرسمي. إن مناخ التوتر والضغط الذي يسود العلاقات بين مدريد والرباط يظهر من جديد وبقوة كلما نشب أي خلاف تافه بين الحكومتين.

على مستوى الحكومات، ترتكز العلاقات الإسبانية المغربية بالأساس منذ بداية الثمانينات إلى سنة 1996، على نظرية “فرش المصالح” لتشجيع الإستثمارات بالمغرب والتعاون الاقتصادي والمالي من أجل تخفيف حدة التوتر بين الدولتين. لعل القرب الجغرافي والحاجة إلى نقل جزء من الإنتاج الإسباني والفرص الضخمة التي تتيحها السوق المغربية من حيث تكلفة اليد العاملة، كلها أسباب منطقية تدفع بالشركات الإسبانية إلى التمركز على الجانب الآخر من المضيق.

إن المواجهات القائمة بين حكومتي مدريد والرباط، والتي مازالت تشكل النقطة المهيمنة على مستوى العلاقات الإسبانية المغربية، تأججت خلال الفترة الثانية لسنوات (2000-2004) حيث تولى “خوسيه ماريا أزنار” رئاسة الحكومة الإسبانية.

إن الصراعات الكلاسيكية كالصراع حول الصيد والهجرة والصحراء وحول “ممتلكات إسبانيا” بشمال المغرب قد تستعيد عافيتها في أي وقت فتضع الدولتين على شفا الإنهيار الكلي.

أما على مستوى العلاقات الاجتماعية فالوضع يختلف كليًا حيث لم يُسجل وقوع أي حوادث عنصرية أو معادية للأجانب ضد المغاربة على الرغم من التورّط الذي يحدث أحيانًا. كتورط بعض المواطنين في هجمات الحادي عشر من مارس لسنة 2004. حيث زاد استياء الحكومة المغربية جراء التغطية الإعلامية التي مست القضايا المتصلة بالمؤسسات الوطنية بما في ذلك النظام الملكي.

في الأدبيات الدبلوماسية المستخدمة من قبل المغرب وإسبانيا تحتل كلمتي الشراكة والتعاون فضاءًا رمزيًا في الخطابات التي تتناول كيفية مكافحة تدفقات الهجرة غيرالشرعية. أما بالنسبة للممتلكات الإقليمية بشمال المغرب، يبدو أن موقف حكومة الرباط مرهون، منذ الثمانينات، ببراغماتية وتقدم المفاوضات بين إسبانيا والمملكة المتحدة فيما يتعلق بمستقبل جبل طارق. ومن بين المشاغل التي تتكرر على جدول الأعمال السياسي لكلا الطرفين، استمرار النزاع حول الصحراء على الرغم من الحلول العديدة التي يقدمها مجلس الأمن، مما يدل على أن المجتمع الدولي يواجه صراعًا عصيًّا على الحل.

أدى فوز الحزب الإشتراكي في انتخابات 14 مارس 2004 إلى بدء حقبة جديدة في تاريخ العلاقات الإسبانية المغربية، حيث أظهر كلا الطرفين رغبة في إعادة ترتيب أوراقه وتدشين علاقات جديدة من بطولة محمد السادس ورئيس الحكومة خوسي لويس سباطيرو. مما كان بمثابة رد واضح على عقيدة “أثنار” الذي أقصى العلاقات الثنائية التي تربط إسبانيا بالمغرب.

احتكرت محاولات تصفية العلاقات من شوائب صراعات الماضي جهود الدبلوماسيين والمجتمع المدني والأوساط الإقتصادية. حتى معركة أنوال (1921) لا يكاد يشار إليها تقريبًا في الكتب المدرسية في المغرب، كما تؤول التصورات السلبية التي تشكلت حول المغاربة إلى الإندثار تدريجيًا مع الإندماج الإجتماعي للمهاجرين و التبادلات الثقافية.

إلى غاية عام 1956، اعتُبِر المغربي في الذاكرة الجماعية كابن البلد، المستعمَر أو الخائن. حاليًا، يتم قياس صورة المغرب في إسبانيا من خلال الإرث الثقافي، وسائل الاعلام و الدراسات الاستقصائية الاجتماعية، ولكن للأسف لا زالت صورة المغربي سلبية لدى جزء كبير من الساكنة الإسبانية.

مع مرور الزمن، شكلت علاقة الجوار المضطربة بين البلدين مادة دسمة أغنت تعليقات و مقالات تاريخية وافتتاحيات لصحف اسبانية لتحتل بذلك و في كثير من الأحيان مساحة مهمة من صفحاتها. يُعزى اهتمام الجرائد الإسبانية بالمواضيع المغربية إلى الرغبة في لفت إنتباه القارئ إلى ما يؤثر على محيطه الجغرافي. نفس النزعة كانت حاضرة في نتائج استفتائية لبعض مراكز استطلاعات الرأي وخلال الأزمات: أزمة الهجرة (أيلول/سبتمبر 2001)، الأزمة الديبلوماسية(تشرين الأول/ أكتوبر) و( تشرين الثاني/نوفمبر 2001)، والازمة الإقليمية/ جزيرة بقدونس (تمّوز/يوليو 2002).

في الأزمات، يصعُب استيعاب كيف أن كل تقارب يُصبح فورًا عداء وكيف أن العلاقات تُلَطَّخُ بالخلافات. في ظل هذه الظروف، لا يمكن تقييم نظام سياسي دون تحديد مشاكله الإقتصادية. الشيء الذي يظهر جلياً في عجز البنية التحتية، عدم مراقبة تدفقات الهجرة وفي وتيرة الإصلاحات وطبيعة مؤسساتها. إن جهل ما يتم على الجانب الآخر من المضيق في مثل تلك الأوقات، يُعرقل مهمة الطبقة السياسية، ويُقلل من نتائج الإصلاحات ويُحبط كل محاولة لإحراز تقدم على طريق التفاهم بين المجتمعين.

النص الأصلي:El eterno malentendido entre amigos
المواضيع ذات الصلة