سقوط منارة الإسلام في أوربا .. قرطبـة

سقوط منارة الإسلام في أوربا .. قرطبـة

التاسع والعشـرون من حزيران/يونيـو عام 1236 للميلاد، الموافق للثالث والعشرين من شوال عام 633 للهجـرة.

قرطبـة، حاضرة الخلافـة الأمـوية وحاضرة المسلمين في الأندلس، وشعلة الحضارة الإسلاميـة النيرة في غـرب العالم الإسلامي، تسقط بيـد النصـارى القشتاليين، ويدخلها الملك فرنـاندو الثالـث محولاً مسجدها الجامـع، درة مساجد الأندلس، إلى كنيسة.
الحدث المفصلي والمدوي والذي مهد لكل ما تلاه، كان هزيمة المسلمين المنكرة في وقعـة العقاب عام 1212 للميلاد. و التي انفرط عقد الأندلس بعدها وتمزقت فيها الدولة الموحدية. فعمت الفتن والتاث أمر المسلمين في الأندلس. واندفعت جيوش النصارى كالسيل الجارف. يتبارون فيما بينهم بمن يسقط من مدن الإسلام أكثر. وبلغ المد النصراني الذروة في ثلاثينات القرن 13 بوجود فرناندو الثالث ملك قشتالة، وخايمي الأول ملك أراغون. حيث اختص خايمي باكتساح شرق الأندلس وجزر الباليار، و اختص فرناندو باكتساح وسط الجزيرة، حيث تقع قرطبـة وإشبيلية وغرناطة وجيـان.
وعلى نقيض هؤلاء الملوك، كان التمزق يضرب صفوف المسلمين بشدة. إذ انقسمت الأحوال بين شخصيتين رئيسييتن هما ابـن هـود، والذي ملأ فراغ الموحدين وسيطر على معظم مدن الأندلس كقرطبة ومالقة والمريـة وغرناطة. وكان الأخر هو ابن الأحمـر، مؤسس إمارة غرناطة، والذي كان نفوذه في جيـان وما حولها، وكانت إشبيلية وما حولها في عهدة أمراء من الموحديـن.
وقد دمـر الصراع بين ابن هـود وابن الأحمـر كل الجهود التي يمكن لها أن تصد الزحف النصراني الرهيب. وجاءت الكارثة الكبرى بحشد ابن هود لجيش كبيـر وخروجه به إلى أحواز غرناطة لمواجهـة ابن الأحمـر. فقامت قوة نصرانيـة في هذا الأثناء بمهاجة منطقة أندوجر القريبة من قرطبة، وقتلوا و أسروا فيها من المسلمين عدداً. وتمكنوا من خلال الأسرى من الإطلاع على واقع قرطبـة الواهن وأن دفاعاتها مهملة وليس بها جيش لحمايتها. وعندئذ تحمسوا لانتزاع المدينة وتحركت هذه القوة الصغيرة يدفعها الحماس الكبير نحو قرطبة. فتسللوا ليلاً إلى قصبتها الشرقية تحت الجنح الظلام وفاجأوا الحراس وبطشوا بهم. ولم يجد أهل قرطبة إلا والنصارى يضربون بهم والدماء تسيل في أزقتها. فهرب الناس والتجأوا إلى المدينة وأغلقوا أبوابهم وتحصن النصارى في القصبة الشرقية وأرسلوا إلى ملكهم فرناندو الثالث يحثونه على المدد بأقصى سرعة. وما أن وصل الخبـر إلى فرناندو وهو متجه إلى ليـون، حتى اهتاج حماساً وأطلق العنان لخيله باتجاه قرطبة بصحبة فرسانه وهو يعلم أنها عاصمة المسلمين الأولى وقلب الأندلس، وأرسل إلى كل قواده في مملكته يطلب منهم اللحاق به بكل ما يحشدونه من الجنـد.
وصلت الحشود النصرانيـة إلى قرطبة وضربت الحصـار عليها وشددته. وفي نفس الوقت وصل الخبر إلى ابن هـود يستصرخه أهلها لنجدة المدينة. فجمع جيشه وتوجه إلى قرطبـة. ولكنه جمد حين وصوله عن النزال ولم يباشر العدو بالقتال خوفاً من الهزيمة وعواقبها وكثرة عدد العدو. وزاد في حسم رأيه بأن وصله رسالة من بلنسيـة يستنجده فيها أميرها أبو زيان ضد خايمي الأول ملك أراغـون، والذي شدد الخناق بجيشه على شرق الأندلس. فجمع ابن هـود الجيش وتوجه شرقاً تاركاً حاضرة الخلافة قرطبـة لمصيرها المحتوم، ومعتقداً بأن أهلها سيتمكنون من الدفاع عنها.
بعد حصـار مشدد على المدينة ومعارك استنزاف بذل فيها القرطبيـون كل استطاعتهم، وبعدما علموا بخذلان ابن هـود ورحيله وأن لا نجدة سوف تصلهم. فاوضوا الملك فرناندو الثالـث على تسليم المدينة. فلم يسمح لهم إلا بالخروج بأرواحهم فقط مقابل تسليم المدينة بكل ما فيها بالكامل. وخرج المسلمون من حاضرتهم ومركز إشعاعهم الحضاري و سراج أوربـا المنير في عصر ظلماتها. ودخلها النصارى بقيـادة فرناندو الثالـث في موكب انتصار، ليتوجهوا إلى مئذنة مسـجدها الأمـوي الجامع ويرفعوا الصليب أعلاه، ويقيموا قداسهم في قلب المسجد الذي لا يزال يحمل اسمه حتى اليوم. وتعتزم الكنيسة الكاثوليكية محو اسمه في العام القادم بالكامل من السجلات بعد تملكها إياه رسمياً.
وانتهى بذلك الوجود الإسلامي في هذه المدينة العامرة بعد 525 عاماً كانت فيه جسراً حضارياً ومعرفيـاً من نـور الإسلام إلى ظلمات أوربـا.
والله يرث الأرض وما عليها، ولا غالب إلا الله.
المواضيع ذات الصلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *