ريفيرتير: الفارس الكتلاني المرابطي

ريفيرتير: الفارس الكتلاني المرابطي

تقول الأسطورة أن المهدي ابن تومرت وصفه باسم غُراب العقعق، الطائر ذو اللونين الأسود والأبيض، نظرا لبشرته البيضاء الناصعة ولقلبه الأسود الذي لا يرحم.

إنه النبيل والفارس ريفيرتير الأول، المنحدر من أسرة أدولاردوس العريقة، فيكونت برشلونة وقائد الروم في جيش المرابطين ومن المقربين من أمير المسلمين علي بن تاشفين.

كانت أول مغامراته العسكرية المشاركة في نصب كمين مارطوريل للإيقاع بجيش المرابطين المثقل بالغنائم وهو عائد من هجوم كاسح على بلاد الكتلان، والذي كان يقوده كبار رجالات الملثمين : ابن عائشة وابن الحاج. الفخ الذي جعل كلا القائدين يعتزلان السياسة والجيش : فالأول خرج من الأندلس وانعزل في القصر السلطاني بمراكش والثاني توفي غما وحسرة بعد عام من الحادث المأساوي.

31316_1293686861758_1217887429_30661726_7547108_n

إنه زمن بداية انتشار الخطاب الداعي للحروب الصليبية، الذي تغلغل في كل أنحاء أوروبا بما فيها أرض الكتلان، لكن يبدو أن هذا الخطاب الحماسي الذي كان يلقى في الكنائس لتحريض المؤمنين المسيحيين على تحرير الأرض من أتباع الدين المحمدي لم يجد أذان صاغية عند ريفيرتير، فرغم ايمانه المسيحي وعشقه للمغامرة لم يقتنع ولم تغريه تلك الدعوات.

بدل ذلك، حمل خيله وسيفه ودراعه الحديدي وتوجه إلى إشبيلية وعرض خدماته على المرابطين، الذين بدؤوا يستشعرون بخطر حركة الموحدين التي ظهرت وتمركزت في جبال الأطلس. البدلة الحديدية المهيبة للفرسان المسيحيين ونوعيتهم في القتال جعلت القيادة العسكرية المرابطية تفكر في انشاء وحدة خاصة بالجيش، التي ستعرف بفرقة الروم وسيصبح ريفيرتير قائدها، وستخضع للأوامر المباشرة لأمير المسلمين علي بن تاشفين، الذي قربها منه، حيث عرف عنه، بالإضافة لورعه الشديد وانكفائه للعبادة، رأفته بالمسيحيين ،فهو ابن نصرانية، إلى درجة أنه استصدر ظهيرا يوقرهم ويهدد من يعتدي عليهم.

شعار النبالة لأسرة ريفيرتير

 

اعتدال علي بن تاشفين وجنوحه للسلم هو الذي سيجلب الويلات لدولته.فعندما عاد ابن تومرت من المشرق “بحرا متفجرا من العلم وشهابا في الدين” حسب تعبير ابن خلدون، مخالفا للمذهب المالكي الذي كان يشكل فقهائه مجلس مستشارين أمير المسلمين، وأي قرار سياسي أو عسكري كبيرا أو صغيرا كان يمر على ذلك المجلس. ظهر اتباع ابن تومرت في شوارع مراكش ساخطين على ما اعتبروه فسادا، كوجود الخمر ولحم الخنزير في سوق النصارى ووصل بهم الأمر بالاعتداء على موكب أخت أمير المسلمين التي اعتبروها متبرجة. اقتصر رد فعل علي بن تاشفين على دعوة ابن تومرت لمناظرة مع فقهاء مجلسه بجامع ابن يوسف، فقدم محمد بن تومرت على رأس أتباعه الستة، وأتى فقهاء المرابطين بقيادة قاضي مراكش، والعلامة مالك بن وهيب.

تفوق ابن تومرت بشكل واضح نظرا لجلبه فن المجادلة وعلم الكلام من بغداد الذي أخذه على يد المعتزلة، فأشار بعض الفقهاء على علي بن تاشفين بسجنه تحت دريعة أنه يُحَرِّض الناس على الخروج على الحاكم، لكنه فضل عدم المساس به.

استقر ابن تومرت بقرية في عمق جبال الأطلس، تينملل، والتي ستكون عاصمة دولته لاحقا، فشكل نواة الموحدين الأولى، لأنهم في رأيه هم الذين يُوَحِّدُون الله لنفيهم الصفات عنه، بينما كفَّر حُكَّام الدولة المرابطية وأعلن عليهم الحرب واستحلَّ دمهم.

في عام 1122م أخذ الجيش المرابطي تهديد الموحدين على محمل الجد، فتم تكليف جنود ريفيرتي بالمشاركة في قمع هذا التمرد. انتهج الرويبتر، كما تصفه الروايات العربية، الأساليب القمعية أثناء حملاته العسكرية، فحقق شعبية كبيرة، حتى في صفوف الموحدين، الذي تصفه رواياتهم ب”العلج الأعرج”.

ريموند برانجيه الأول، كونت برشلونة، الذي عاصر ملوك الطوائف ووضع الإصدارات الأولى المكتوبة من القانون الكتالاني تحت عنوان “أعراف برشلونة”.

 

استطاع المرابطين قمع هذا التمرد ووَلَّى الموحدين الأدبار متحصنين في الجبال. فهدئة الأوضاع وخفف الجيش المرابطي من حملاته، لكن ريفيرتير وجنوده لا يحبون أجواء المهادنة، فهم مصنوعون للقتال وليس غير ذلك، فاستمروا في المضايقة عليهم.

وفي سنة 1133 توجه إلى برشلونة للمطالبة بحقه الشرعي في منصب فيكونت برشلونة، وفعلا تم تنصيبه، لكنه سرعان ما سيلتحق بصفوف جيوش المرابطين سنة 1135 وترك في منصبه ابن أخيه غييم دي ساغوارديا.

توفي الرويبتر في وسط المعركة وهو يقاتل ببسالة سنة 1142 ، وصلب الموحدون جسده لعله يشفي غليلهم.

ترك الرويبتر إبنين، أحدهم بيرنيجير الذي سيترك المغرب ويتوجه في نفس سنة وفاة والده إلى كاتالونيا ليتولى منصب فيكونت برشلونة، ولم يكن بيرنيجير يوقع رسائله بالحروف الرومانسية، بل كان يفعل ذلك باللغة العربية، نظرا للتعليم العربي الذي تلقاه بالمغرب الأقصى. وابنه الآخر استمر يقاتل في صفوف المرابطين، وبعد سقوط مراكش في يد الموحدين، كان من بين المسيحيين الذين أبقاهم عبد المؤمن بن علي في صفوف الجيش، فاعتنق الإسلام واتخذ اسمًا عربيًا وهو علي بن ريفيرتير، وتوجه لقتال بنو غانية في جزر البليار وتم تعيينه حاكما عسكريا على مايورقة.

تروي المصادر الإسبانية أن شاهد قبر زوجة ريفيرتير، وأم بيرنيجير وعلي، كتب بالعربية واللاتينية، وهو موجود بأحد الدير المسيحية بجيرونا، يظهر هذا القبر انشطار قلوب هذه الأسرة بين عالمين وثقافتين مختلفتين، لكنها استطاعت التميز والريادة في كليهما.