رسالة إعتذار من أبى عبد الله

رسالة إعتذار من أبى عبد الله

فى أوائل شهر أكتوبر سنة 1493 غادر أبو عبد الله الوطن فى غمار الحسرات والأسى وجاز البحر إلى المغرب، بأسرته وأمواله وحشمه وكانت زوجته مريمة قد توفيت فى منفاه فى أندرش بالبشرات، وكان أبى عبد الله حينها فى الحادية والثلاثين من عمره، صحبه فى رحلته عدد كبير من الوزراء والقادة والأكبار ممن آثروا الرحيل، وبلغ الذين عبروا مع الملك المخلوع ألفًا ومائة وثلاثين شخصًا.

ونزل أولًا فى مليلة ثم قصد فاس واستقر بها، وتقدم إلى ملكها السلطان أبى عبد الله محمد الشيخ، زعيم بنى وطّاس الذين خلفوا بنى مرين فى الملك، مستجيرًا به، معتذرًا عما أصاب الإسلام فى الأندلس على يده، متبرئًا مما نسب إليه من إثم وتفريط فى حق الوطن والدين.

وهذا الدفاع الشهير الذى يقدمه إلينا أبو عبد الله عن موقفه وتصرفه، هو قطعة رائعة من الفصاحة السياسية والبيان الساحر وهو يدل فى روحه وقوته وروعته، على فداحة التبعة التى شعر آخر ملوك الأندلس انه يحملها أمام الله والتاريخ، وأمام الأمم الإسلامية والأجيال القادمة كلها، على ان هذا الأمير المنكود لم يرد ان ينحدر إلى غمر النسيان والعدم، محكومًا عليه دون أن يبسط للتاريخ قضيته، فيصدر حكمه فيها على ضوء أقواله ودفاعه.

وقد كتب هذا الدفاع الشهير، الفريد فى التاريخ الإسلامى، على لسان أبى عبد الله وزيره وكاتبه، محمد بن عبد الله العربى العقيلى فى رسالة مستفيضة قوية ومؤثرة موجهة إلى ملك فاس، وجعل لها عنوانًا شعريًا وهو:

“الروض العاطر الأنفاس فى التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس”

وقد كان العقيلى من أعلام البلاغة فى هذا العصر، ولما عوّل أبو عبد الله على الرحيل إلى المغرب جاز العقيلى البحر مع أميره وقدم العقيلى لهذا الدفاع الشهير بعد ديباجة بقصيدة رائعة جاء فى مطلعها:

مولى الملوك ملوك العرب والعجم رعيا لما مثله يرعى من الذمم

بك استجرنا وأنت نعم الجار لمن جار الزمان عليه جور منتقم

حتى غدا ملكه بالرغم مستلبًا وأفظع الخطب ما يأتى على الرغم

حكم من الله حتم لا مرد له وهل مرد لحكم منه منحتم

وهى الليالى وقاك الله صولتها تصول حتى على الآساد فى الأجم

كنا ملوكًا لنا فى أرضنا دول نمنا بها تحت أفنان من النعم (1)

ويلى هذه القصيدة الطويلة دفاع أبى عبد الله المنثور، فى اسلوب يفيض قوة وبيانًا وفيه يشير أبو عبد الله إلى حوادث الأندلس، ويعتذر عن محنته، ويعترف بخطئه فى عبارات مؤثرة، ويقول بعد الديباجة موجهًا خطابه إلى سلطان فاس:

“هذا مقام العائذ بمقامكم، المتعلق بأسباب ذمامكم، المترجى لعواطف قلوبكم، وعوارف إنعامكم، المقبّل الأرض تحت أقدامكم المتلجلج اللسان عند محاولة مفاتحة كلامكم، وماذا الذى يقول من وجهه خَجِل، وفؤاده وجل، وقضيته المقضية عن التنصل والإعتذار تجل. بيد أنى أقول لكم ما أقوله لربى، واجترائى عليه أكثر، واحترامى إليه أكبر: اللهم لا برئ فأعتذر، ولا قوى فأنتصر، لكنى مستقيل مستنيل، مستعتب مستغفر، وما أبرئ نفسى إن النفس لأمارة بالسوء، هذا على طريق التنزل والإنصاف بما تقتضيه الحال ممن يتحيز إلى حيز الإنصاف وأما على جهة التحقيق فأقول ما قالته الأم ابنة الصديق: “والله إني لأعلم أني إن أقررت بما يقوله الناس، والله يعلم أني منه بريئة لأقول ما لم يكن، ولئن أنكرت ما تقولون لا تصدقوني، فأقول ما قاله أبو يوسف صبر جميل والله المستعان على ما تصفون”. على اني لا انكر عيوبى فأنا معدن العيوب ولا أجحد ذنوبي فأنا جبل الذنوب، إلى الله أشكو عجري وبجري وسقطاتي وغلطاتي، نعم كل شيء ولا ما يقوله المتقول المشنع المهول الناطق بفم الشيطان المسول ومن أمثالهم سبني واصدق ولا تفتر ولا تخلق أفمثلي كان يفعل أمثالها؟ ويحتمل من الأوزار المضاعفة أحمالها؟ ويهلك نفسه ويحبط أعمالها؟ عياذا بالله من خسران الدين وإيثار الجاحدين والمعتدين، قد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، وايم الله لو علمت شعرة في فودي تميل إلى تلك الجهة لقطعتها بل لقطفت ماتحت عمامتي من هامتي وقطعتها غير ان الرعاع في كل وقت وآوان للملك أعداء وعليه أحزاب وأعوان.. وأكثر ما تسمعه الكذب وطبع جمهور الخلق إلا من عصمه الله تعالى إليه منجذب، ولقد قذفنا من الأباطيل بأحجار ورمينا بما لا يرمى به الكفار فضلاً عن الفجّار وجرى من الأمر المنقول على لسان زيد وعمرو ما لديكم منه حفظ الجار وإذا عظم الإنكاء فعلى تكاءة التجلد الإتكاء، أكثر المكثرون وجهد في تعثيرنا المتعثرون ورمونا عن قوس واحدة ونظمونا في سلك الملاحدة اكفرًا أيضا كفرًا غفرًا اللهم غفرًا، اعد النظر فليس الأمر ليس على ما خيل لك، وهل زدنا على أن طلبنا حقنا ممن رام محقه ومحقنا فطاردنا في سبيله عداة كانوا لنا غائظين فانفتق علينا فتق لم يمكنا له رتق وما كنا للغيب حافظين، وبعد فاسأل أهل الحل والعقد والتمييز والنقد فعند جهينتهم تلقى الخبر يقينًا، وقد رضينا بحكمهم يؤثمنا فيوبقنا أو يبرئنا فيقيناً، إيه يا من اشرأب إلى ملامنا وقدح حتى في اسلامنا رويدًا رويدًا فقد وجدت قوة وأيدًا ويحك إنما طال لسانك علينا وامتد بالسوء إلينا لأن الزمان لنا مصغّر ولك مكبّر والأمر عليك مقبل وعنا مدبر”.

ثم يقول ابو عبد الله: “لئن كان قد نزل به القضاء فثل عرشه ونُكس لواؤه ومُلِك مثواه، فهو مِثْل من سواه فى ذلك، ولئن كان مروعًا مصير غرناطة ومصير ملكها وأنجادها، فإنها لم تنفرد بين قواعد الإسلام بذلك المصير المحزن، ألم يقتحم التتار بغداد، عروس الإسلام ومثوى الخلافة، ومهد العلوم، ويستبيحوا ذمارها وحُرَمها، ويسحقوا الخلافة وكل معالمها ورسومها؟ وماذا كانت تستطيع غرناطة إزاء قدر محتوم، وقضاء لا مرد له؟ والقضاء لا يرد ولا يصد ولايغالب ولا يطالب، والدائرات تدور، ولابد من نقص وكمال للبدور، والعبد مطيع لا مطاع وليس يطاع إلا المستطاع، وللخالق القدير جلّت قدرته، فى خليقته علم غيب للأذهان عن مداه انقطاع”

ثم يعطف إلى التجائه إلى السلطان بقوله: ” وأبيها لقد أرهقتنا ارهاقًا وجرّعتنا من صاب الأوصاب كأسًا دهاقًا ولم نفزع إلى غير بابكم المنيع الجناب المنفتح حين سدت الأبواب، ولم نلبس غير لباس نعمائكم حين خلعنا ما ألبسنا الملك من الأثواب، وإلى أمه يلجأ الطفل لجأ اللهفان وعند الشدائد تمتاز السيوف في الأجفان من الأجفان، ووجه الله تعالى يبقى وكل من عليه فان وإلى هنا ينتهي القائل ثم يقول حسبي هذا وكفان”.

ويشير إلى رفضه لما عرضه عليه ملك قشتالة وليون من الإقامة فى كنفه فيقول: “ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة خير فيها، وأعطى من امانه، المؤكد فيه خطه بإيمانه، ما يقنع النفوس ويكفيها، فلم نر ونحن من سلالة الأحمر مجاورة الصُّفر، ولا سوغ لنا الإيمان، الإقامة بين ظهرانى الكفر”

ثم يشير إلى انه تلقى كذلك دعوات كريمة من المشرق للذهاب والإقامة ولكنه آثر الجواز إلى المغرب

وينتهى خطاب أبو عبد الله الذى يقف فيه موقف المذنب والبرئ معاً فهو لا يتنصل من جميع الأخطاء ولكنه يتنصل من تبعة ما حدث ويصوّر نفسه قبل كل شئ ضحية القدر ويدفع عن نفسه بالأخص تهمة التفريط والخيانة والزيع.

فإلى أى حد تتفق هذه الصورة مع الحقيقة؟

لقد تبوأ أبو عبد الله عرش غرناطة لأول مرة وهو فتى فى الحادية والعشرين، ثم عاد إلى تبوئه بعد ذلك بعدة أعوام وكان جلوسه فى كل مرة نتيجة حرب أهلية مخرّبة طاحنة، وقد نشأ هذا الأمير الضعيف فى بلاد منحل يضطرم بصنوف الدس والخصومة، ولم تهيئه تربيته وصفاته للإضطلاع بمهما الملك الخطيرة ولا سيما فى مثل تلك الظروف الدقيقة التى كانت تجوزها مملكة محتضرة، أجل كانت الأندلس تسير إلى قدرها المحتوم، قبل المأساة ببعيد، ولم يك ثمة شك فى مصير غرناطة، بعد أن سقطت جميع القواعد الأندلسية الأخرى فى يد العدو القوى الظافر.

 

المراجع

المقرى التلمسانى نفح الطيب الجزء الرابع

د. محمد عبد الله عنان دولة الإسلام فى الأندلس الجزء الرابع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- فى قصيدة طويلة ويمكن لم يريد الإطلاع عليها كاملة يرجع إلى الجزء الرابع من كتاب المقرى نفح الطيب ص 529 او كتاب عبد الله عنان دولة الإسلام فى الأندلس الجزء الرابع ص 280