دوقة آلبا ، جميلة جميلات اسبانيا

دوقة آلبا ، جميلة جميلات اسبانيا

لا وجود لخصلة في شعرها لا تلهم رغبة. لا أحد يفوقها جمالا في العالم… عندما تمر بالحي ، الكل يطل من النوافذ ، وحتى الأطفال يتوقفون عن اللعب حتى يرونها”. هكذا يصفها الكاتب الفرنسي الماركيز د لانغل في كتابه ” سفر لاسبانيا

امرأة جميلة، غنية ، متمردة ومتحررة. حازت على أكبر عدد من الألقاب النبيلة في إسبانيا مطلع القرن التاسع عشر. شخصية جدلية ارتبط اسمها بعدة أساطير . دخلت في عداوة مباشرة ضد الملكة زوجة الملك كارلوس الرابع في وقت اتسمت به الملكية بالضعف. ما سر هذه العداوة؟ ما علاقتها بالرسام غويا ؟ ولماذا كانت بطلة لأهم لوحاته ؟ ما سر وفاتها المبكرة؟ ما نتائج التشريح الذي أخضعت له بقايا الجثة في مطلع القرن العشرين؟ من تكون؟

………………………………………….

إنها ماريا ديل بيلار تيريسا ( إشبيلية 1762 – مدريد 1802)

María del Pilar Teresa Cayetana de Silva

دوقة ألبا السابعة عشر و واحدة من أهم نبلاء المجتمع الإسباني في تلك الحقبة. تميزت بالشخصية القوية. اشتهرت برعاية الممثلين، الشعراء، الرسامين ومحاربي الثيران. كما عُرفت بالتواضع وبكسر الحواجز الإجتماعية القائمة بين الطبقة النبيلة والعامة. اعتادت إقامة حفلات داخل قصرها. دعت لها شخصيات من عامة الشعب، الأمر الذي لطالما أثار حفيظة الطبقة الأرستقراطية التي لم تعتد مخالطة الطبقات الدنيى من المجتمع. كما اشتهرت بالتنكر في زي تقليدي بأحياء مدريد في الأعياد و المناسبات الشعبية.

والدها هو فرانسيسكو دي باولا

Francisco de Paula de Silva y Álvarez de Toledo

أما والدتها فهي ماريا ديل بيلار آنا

María del Pilar Ana de Silva-Bazán y Sarmiento

عاشت طفولة وحيدة نظرا لانصراف والديها لمشاغل الحياة السياسية و الإجتماعية العامة.

وبهدف توحيد الإمارتين الأكثر قوة في إسبانيا ( ألبا دي طورميس و شِذُونَة – بالإسبانية:

Medina-Sidonia-) تم تزويجها في سن الثانية عشر من قريبها الأرستقراطي البارز خوسي ألباريس

José Álvarez de Toledo y Gonzaga

والذي حاز بدوره على عدة ألقاب.

وفي ربيعها 34 ، توفي زوجها فورثت عنه ممتلكات هائلة ، كما كانت الوريثة الوحيدة لثروة والديها. وكان مجموع ما ورثته عنهما من ألقاب نبيلة، 56 لقبا من بينها : دوقة آلبا، دوقة شذونة ، دوقة أويسكار وغيرها.

واللقب النبيل هو امتياز قانوني يمنح منذ قديم الزمن ويهدف إلى تمييز أعضاء طبقة النبلاء عن غيرهم من عامة الشعب. والامتيازات الممنوحة لطبقة النبلاء في الوقت الحالي ما هي إلا بروتوكولات، إلا أنها شكلت أساس النظام الإقطاعي في العصور الوسطى، والقائم بالأساس على تنظيم حيازة الأراضي والعلاقات بين المُقطعين.

………………………..

علاقتها بالرسام فرانسيسكو دي غويا

عادة ما يتم ربط اسم الدوقة باسم الرسام فرانسيسكو دي غويا خاصة أنها كانت مصدر إلهام للعديد من لوحاته الهامة. بعد وفاة زوجها ، استضافته لفترة بمزرعتها الخاصة بشَلُوقَة أو المَسَاجد (بالإسبانية:

(Sanlúcar de Barrameda

جسد بعض مظاهر حياتها اليومية في لوحات متنوعة كرسمة الدوقة إلى جانب ابنتها بالتبني ذاتالأصول الإفريقية ماريا دي لا لوث. وأخرى ذات وضعيات حميمية خاصة . وأطلق على مجموع هذه الرسوم اسم ألبوم شلوقة ( 1796 ).

Duquesa_de_Alba_peinandose

واستمرت العلاقة حتى بعد العودة إلى مدريد. ظل هاجس التواجد معا متيقظا وذلك ما سينعكس جليا على لوحات غويا. رسم سنة 1797 بورتريه جديد لدوقة ألبا. وتنم الرسمة عن شكلٍ من أشكال العلاقة الحميمة، حيث تبدو الأرملة المتشحة بالسواد تشير إلى الرمال التي كُتِب عليها:

“Sólo Goya”

وتعني العبارة بالعربية: فقط غويا.

أتم غويا سنة 1800 رسمتيه الشهيرتين

Maja Desnuda

و

 

Maja Vestida

majas

لا يعرف على وجه التحديد إذا ما كانت الدوقة هي نفسها بطلة اللوحتين أم لا ، وإن كانت ملامح بطلة اللوحة شديدة الشبه بملامح الدوقة. هذا ويرجح آخرون فرضية أن بطلة لوحة غويا قد تكون بيبيتا تودو

Pepita Tudó

مفضلة نائب الملك مانويل غودوي والتي سيتخدها زوجة له لاحقا . وفي هذه الحالة قد يرجع أصل إنجاز اللوحة لطلب من غودوي نفسه.

عُرِضت النسخة الثانية للوحة، ذات الإطلالة العارية على محاكم التفتيش. فمثل غويا أمامها و لم يفلت من قبضتها إلا بتدخل أحد الشخصيات البارزة في المجتمع الإسباني. بعدها بعامين، تتوفى دوقة ألبا في سن ال40. ويقوم غويا بتصميم خطوط غير واضحة لنَصب الجنازة. وكانت الدوقة قد تركت وصية تهب من خلالها جزء من ممتلكاتها لخابيير ابن الرسام غويا. كُتب عن العلاقة التي جمعت الدوقة بالرسام كثيرا ، وتم انتقادها بشدة خاصة في تلك الفترة. ولكن هل ربطتهما فعلا قصة حب أم أن الأمر لم يكن سوى صداقة قوية؟

……………………………

عداوة وغيرة بين الدوقة و ملكة اسبانيا

نشأت عداوة متبادلة وعلاقة حقد و غيرة بين الدوقة وقرينة ملك إسبانيا كارلوس الرابع، ماريا لويسا دي بارما (بالإسبانية:

María Luisa de Parma

كان لماريا تأثيرا كبيرا على زوجها ضعيف الشخصية متقلب الأطوار .مارست دورا سياسيا في اسبانيا مطلع القرن التاسع عشر إلى جانب رئيس الوزراء غودوي . وصفها البعض بالشخصية المتآمرة ومنحها آخرون لقب اللئيمة.

عانت من تدهور جسماني واضح بسبب الولادات المتعددة و المتتالية. الشيء الذي منحها مظهرا غير مقبول ، أفقدها معظم أسنانها وزاد من خفض مستوى شعبيتها. عملت على تعويض الشكل الذميم بالمبالغة في ارتداء المجوهرات الثمينة والملابس الباهضة الثمن التي جلبت لها خصيصا من باريس . وصفها البعض بعبارة ” المرأة التي أمضت حياتها حبلى”. عاشت 24 حالة حمل، أنجبت منها 12 ، ولم يعش سوى 5.

maria luisa de parma

ملكة اسبانيا ماريا لويسا دي بارما

دون التاريخ عدة نوادر تبرز العداوة القائمة بين الشخصيتين ، عداوة نسوية سطحية ذات طابع اجتماعي وبعيدة كل البعد عن مشاغل الحياة السياسية.

نافست الدوقة الملكة ماريا لويزا دي بارما زوجة الملك كارلوس الرابع في زمن عرف ضعف النظام الملكي بشكل عام و الإسباني بشكل خاص. كثيرة هي الإهانات العلنية التي وجهتها الملكة ،المندفعة وراء إحساس الغيرة، للدوقة. والتي غالبا ما كانت ترد لها الصاع صاعين بنهج مكائد ومقالب انتقامية. يحكى أنه في إحدى المرات قلدت الدوقة تصميما خاصا بالملكة وألبسته لخادماتها مما جعل منها محط سخرية الجميع .

……………………………….

نهب ممتلكات الدوقة بعد وفاتها

توفيت الدوقة في سن الأربعين في الثالث والعشرين من يوليو لسنة 1802 . وافتها المنية بعد مرض قصير جدا ، مما دفع العديد لطرح فرضية تصفيتها من طرف الملكة بتآمر مع رئيس الوزراء غودوي. خاصة أن هذا الأخير كان على عداوة مع زوجها المتوفي ، وما أن توفيت حتى استولى على العديد من ممتلكاتها من بينها قصر بوينابيستا، لوحات نادرة وجواهر فريدة خاصة بالأسرة. تجدر الإشارة إلى أن غودوي كان المفضل عند الملك و الملكة. بالرغم من الكوارث العديدة التي حدثت خلال تلك الفترة, إلا أنه أصر على الحفاظ على السلطة عن طريق الفساد. وقد عاتب العديد من القادة الإسبانيين غودوي بسبب الحر و ب الكارثية التي حدثت و التي ساهمت في إنهاء وجود الإمبراطورية الإسبانية و تدمير مواردهاالمالية.

هذا وقد أمرت الملكة بجلب مجموع مجوهرات الدوقة المتوفاة واتخذت لنفسها 32 جوهرة ولآلئ من حجم كبير ودفعت بالمقابل 384.060 ريال فقط ،بينما قدر ثمن الجوهرة الأكثر أهمية ضمن المقتنيات ،وهي عبارة عن دبوس، لوحدها ب 300.000 ريال.

أدى غياب الوريث الشرعي إلى توزيع ممتلكات الدوقة بين أخ زوجها وأحد أقربائها . وكانت قد تركت وصية نقلت من خلالها بعض ممتلكاتها لابنتها بالتبني ذاتالأصول الإفريقية ماريا دي لوث ، لخابيير ابن الرسام فرانسيسكو دي غويا و لبعض الخدم .

…………………………

مفاجآت وحقائق تكتشف بعد الوفاة

في 17 من نونبر لسنة 1842 ومع نقل بقايا رفات مدفنها الأصلي من كنيسة

Iglesia del Salvador y San

إلى مقبرة

Sacramental de San Isidro

اكتشف أن جثة الدوقة مبتورة القدم ، قصة مشابهة متعلقة بالرسام غويا . في عام 1901 تم إخراج بقايا غويا بناء على طلب الحكومة الإسبانية، ليتم نقله إلى مقبرة أسفل كنيسة

San Antonio de la Florida

في مدريد. عندما تم إخراج جسده من قبره بفرنسا، وجدوا أنه فقير جمجمة.

عديدة هي الحقائق التي اكتشفت و الأساطير التي حيكت حول الشخصية بعد وفاتها . خاصة تلك المتعلقة بسبب وفاتها الحقيقي إذ وجهت أصابع الإتهام لزمن طويل نحو ماريا لويسا دي بارما كملكة متآمرة مع رئيس الوزراء غودوي لتصفية الدوقة.

نُبش قبر الدوقة للمرة الثانية سنة 1945 ، وأخضعت بقايا الجثة للتشريح وكانت النتيجة أنها قضت ضحية التهاب سحايا سلي.

سميرة فخرالدين

 

 

المواضيع ذات الصلة