دراسة في فتح الأندلس

دراسة في فتح الأندلس

لايجب الاستسلام إلى المعتقد الشعبي السائد بأن إسبانيا قبل الاسلام كانت مجرد أراض جرداء قومها مزارعون لاحول لهم ولاقوة، وأن دخولها كان آنذاك أمراً سهلاً لا استفاذ فيه، فأجدادنا رحمة الله عليهم، وإن بدا أمر الفتح سهلاً وقصير الامد، أمضوا سنوات لدراسة تاريخ القوط وصراعاتهم، والوقوف على مقدار تجانس المكون الديموغرافي الإسباني بمختلف ثقافاته (الإسبانية، والرومانية، والايبيرية والقوطية وغيرها) وهو ما سأشير إلى نبذة قصيرة منه في هذه المقدمة ولو أن الأمر يحتاج إلى دراسات عميقة لفهم التفاعلات الإستراتيجية آنذاك وحنكة القادة المسلمين؛ فالهدف لم يكن الجهاد لأجل الجهاد، وإنما إرساء قواعد الحضارة الإسلامية والظفر بالنصر الساحق لإجل ذلك؛ لذلك حرصوا على إتقان أي عمل يقومون به من منطلق الحرص على أداء الأمانة على أكمل وجه، فكما للصلاة من أخطاء تبطلها أو تنقص من أجرها كذلك الجهاد والسعي للقاء الله، فالوعيُ بالعباداتِ أسمى معنى من مجرد السعي لأدائها، وبلوغُ أجرِها في اكتمال الهدف من ورائها.


في الأصل اسم الاندلس، وهي من مقاطعات إسبانيا الكبرى، مشتق من “وندلوسيا” نسبة إلى الوندال أو الفندال، وهم قوم من جنس الاسكنديناف، من شمال أوروبا الحالية من جهة السويد والنرويج، كانوا قد استوطنوها وشمال المغرب بعد الرومان، فلما فتحها العرب سموها “الأندلس”، ثم أطلقوا هذا الإسم على كل مناطق “هسبانيكا” أو “هسبانيا” آنذاك.
كانت “هسبانيا”، أو إسبانيا، في جملة مملكة الرومان الغربية إلى القرن الخامس للميلاد، فسطا عليها الوندال ثم “الفيزيقوط”، وهم قبائل جرمانية من القوط الغربيين، الذين فصلوها عن الحكم الروماني وأقروا بها دولة قوطية مسيحية أريوسية، لاتُأَلِّه المسيحَ ولاتعترف بوساطة القساوسة بين العبد والخالق، مالبثت أن دخلت في صراع مع القساوسة الروم في الشمال إلى أن انتهى الأمر بترسيم المذهب الكاثوليكي سنة 587م في أشد أوجه المتعصبة بشكل سيظل مؤثراً إلى اليوم في تاريخ الاندلس. اذ أعقب هذا التحول اعتبار اللغة اللاتينية لغة رسمية في البلاد وتوثيقِ الصِّلاة بين الأعيان القوط والبابوية لتسهيل توسيع نفوذهم في البلاد بالموازاة مع الحاكم المركزي. لايجب أن يخفى أن مملكة القوط بعد المد الكاثولكي اظهرت انقساماً عقائدياً بين الشمال والجنوب وهو ماكان يفسر ميل مناطق الجنوب للنظرة الاسلامية إبّان الفتح نظراً لرواسبهم الاريوسية وتعصب قبائل الشمال حيال المد الإسلامي نظراً لخضوعهم المطلق لسلطة القساوسة الروم.
وإضافة إلى الغلو الديني الكاثوليكي الذي ميّز أواخر الحكم القوطي، لم يجد الشعب الإسباني تغييراً جذرياً في أحواله الإقتصادية مقارنة مع العصر الروماني؛ فالأرستقراطية الرومانية ظلت على أشكالها من الغنى وإفشاء التمييز والطبقية واستغلال التجار والمزارعين البسطاء، فأْتَلَف الأعيان مع الحكّام القوط، وساء أمر العامة نتيجة تراكم الضرائب والأتاوات، ونقص الأمن بمختلف أوجهه، إذ انقسم الحكم بين دويلات أو دوقيات، يتولى كل دوقية منها حاكم “دوق” أو “كونت” يرجعون أمورهم إلى الحاكم المركزي بطليطلة، الذي يستند على حكومة عسكرية انتخابية يؤيدها الإشراف وعلية القوم من ملاك ونبلاء وكبار الموظفين، وبموازاة ذلك تشكل مجلس ديني، من كبار القساوسة الكاثوليك يولي النظر في الأمور الدينية والإستشارات السياسية كمجلس دولة أعلى بسلطات مطلقة.في الواقع لم تكن الهيكلة السياسية الغسبانية بدائية مقارنة مع مثيلاتها الأوروبية؛ بل ربما كانت الأقرب إلى المنظومة الرومانية في هيئتها الاقتصادية والعسكرية؛ وهو ماجعل المؤرخين يختلفون حول مدى سوء الأحوال المدنية والاجتماعية آنذاك، ومنهم من يدعي إلى أن النهضة الإسلامية لم تكن بجديدة على المجتمع الإسباني وأن المسلمون هم من استفادوا من المكون الحضاري لا العكس؛ لدى وجب فهم أوجه تعصب الرؤى الحديثة للمؤرخين الإسبان المنتقدين للمد الاسلامي انطلاقاً من التاريخ الذي سبق الفتح.

على كلٍ، حقيقة الأوضاع الاجتماعية كانت غير ذلك، ولو أنها لم تكن بالسوء المطلق، إلا أنها أبدت مستوى التذمر من التسيب الامني والاستغلال المالي الذي لحق الطبقات الضعيفة، فانتشار العبودية كان جد شائع، ولم تستطع المجالس الدينية الكاثولكية الرد على المظالم التي تلحق أهلها، فضلاً عن مكون الجيش الضخم من طبقة العبيد التي لم تعد ترى منفعة في القتال لأجل نظام لايحميها.

هذا جزء بسيط من العوامل التي حرص المسلمون على التمعن فيها قبل الارتماء في مغامرة بحجم فتح بلد شاسع كالأندلس، وهو ماشكل أسس الخطط الاستراتيجية التي سبقت الزحف العسكري من جهة والتي تلت النصر وإقامة رواسي الدولة الاسلامية في الأندلس من جهة ثانية.
وفضلاً عن العوامل الإقتصادية والاجتماعية، وجبت الإشارة إلى أهمية الحالة الثقافية للمكون الاسباني قبل الفتح؛ ولعله الاساس الإيجابي الأهم الذي سهّل اندماج الاسلام بسرعة بين الشعب؛ فمن المؤرخين من يدّعي أن الإسلام دخل بحد السيف، وهو حيز كبير ينال من تاريخنا خاصة في الأندلس، ذلك أن الإسبان منذ فجر تاريخهم اهتموا بالعلوم والثقافة والفنون، أنعشه الرومان خاصة ورسخّه الوجود المسيحي، على عكس بلاد فرنسا التي ظلت ترزح في الجهل والحروب إبّان العهدين السابقين (وهو مالم يؤهّل الشعب الغالي لتقبل الإسلام من منطلق الوعي)، وتحذو الإشارة إلى أن القوط لم يؤثروا بشَرٍّ أو بخيرٍ في ذلك لعدم اهتمامهم بهذا الجانب، بل إن حيادهم الثقافي أهَّل حرية الفكر والفن والمعمار، فاستمر الإسبان في إنماء دور العلم والتدريس على ميراث الفلاسفة الإغريق والرومان؛ ولم يكن للاسلام إلا أن يظهر، بمقداره العلمي الواسع، تفتحاً فكرياً ودينياً طالما تعطّش له المفكرون الإسبان وحتى الكثير من رهبانهم؛ فاعتنى المسلمون على تسبيق المراسلات وإقامة الجسور الثقافية للتعريف بالدين وبمغزى الفتح، واستعانوا بالمقاربات الفكرية والتاريخية لتمهيد فهم الأسس الأخلاقية للاسلام.

ربما لم أتطرق بالتفصيل لترجمة خطط الفتح بالإسقاط على الدراسات الاستراتيجية آنذاك لمملكة القوط، وهو أمر يطول تفصيله إلا أنه في النهاية لايسعني إلا أن أقول، إن دراسة المقاربات مع عصرنا الحديث تجعل من شعوبنا العربية الحديثة على نفس شاكلة الشعب الإسباني قبل الفتح الإسلامي، وهو أمر خطير فطن له الغرب وأذكوه، انطلاقاً من تجربة الاندلس التاريخية. لذلك وجب استنباط العبرة والمآل في مايحصل الآن من تغيرات في شعوبنا، وعدم الزج الاعتباطي بموروثاتنا في معادلات سياسية تخدم المخططات التوسعية التاريخية للغرب في بلداننا؛ فمهما طال الأمد أو قصر لايمكن لأحقاد خلّفت قروناً وراءها أن تكون بغير تبعات اليوم في ظل سذاجة شعوبنا اليوم.