حوار مع الفقيد محمد قشتيليو، أول أستاذ عربي في جامعة إسبانية

حوار مع الفقيد محمد قشتيليو، أول أستاذ عربي في جامعة إسبانية

سنحت الفرصة لمحمد قشتيليو عندما التحق بالجامعة المركزية في مدريد عام 1943 كأستاذ للغة العربية، وكان أول عربي يشغل هذا المنصب في إسبانيا، بالاحتكاك والاستفادة من أهم مستعربين اسبانيين في القرن العشرين وهما “أسين بلاثيوس” و”إيميليو غارثياغوميس” الأستاذان بنفس الجامعة. وقد شجعه ذلك، إضافة إلى ما كان يثيره اسمه المورسكي ( قشتيليو (Castillo في نفسه من فضول، على توجيه اهتمامه إلى الدراسات الموريسكية، والتي توجها بثلاثة كتب هي: “محنة الموريسكوس في إسبانيا”، و”حياة أواخر الموريسكوس بإسبانيا ودورهم خارجها”، و”تأثير الفن العربي المدجن في حياة الإسبان”.

في هذا الحوار الذي خص به مشكوراً مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، نكتشف أن الأستاذ قشتيليو الذي جاوز عمره التسعين، ليس فقط عالما رائدا في مجال الدراسات الموريسكية، بل رجلاً يذكرك كل شيء فيه بالأندلس: ملامحه وطريقة كلامه والموضوعات التي يتحدث عنها، وهو ما يجعل محاوره يحس أنه سافر في الزمن، وأنه أمام شخص يشبه إلى حد بعيد أولئك العلماء الذين عاشوا منذ قرون خلت، وصنعوا ملحمة الحضارة العربية في الأندلس.

 

 

س- كيف بدأ اهتمامك بالدراسات الأندلسية؟

ج- أولا أشكركم على استضافتي وأرجو أن أكون عند حسن الظن، أما بخصوص سؤالكم؛ فقد بدأ اهتمامي بالدراسات الأندلسية عندما التحقت بكلية الآداب والفلسفة بجامعة مدريد، وكان طلبة القسم الذي كنت أدرس فيه يمطرونني بكثير من الأسئلة عن لقبي الذي هو إسباني محض وأنا مغربي مسلم، فكان جوابي لهم: إنني من هذه الأرض التي أنتم منها؛ فأجدادي هاجروا منها وأقاموا بالمغرب أيام سقوط آخر دولة إسلامية بالأندلس. فكان هذا سبب اهتمامي بالبحث والتنقيب في موضوع الأندلسيات وخاصة من تأخر من المسلمين بالأندلس وهم المدعوون ب “الموريسكوس”. وفي نهاية بحثي عثرت على بعض المصادر التي دلتني على تأخر بعض أسر “الموريسكوس” بإسبانيا إلى أواخر القرن السابع عشر الميلادي وكان لها اتصال بالمغرب وخاصة بمدينة تطوان بقصد الاتجار، ومن بينها أسرتي؛ ورد هذا في نشرة يصدرها معهد الدراسات والأبحاث بغرناطة وبالضبط في العدد الخامس الذي صدر عام 1991.

 

س- ما هو الانطباع الذي تركته لديك الأندلس عندما زرتها لأول مرة؟

ج- أول مرة زرت الأندلس كنت مع وفد من طلبة معهد ثانوي بمدريد كان يدرس به نجل خليفة السلطان بالشمال آنذاك مولاي المهدي بن الحسن، وكنت مشرفا على بعثة طلابية مغربية بنفس المعهد. وكان أول ما زرناه هو مدينة قرطبة، وأول مأثرة دخلناها كانت المسجد الجامع الشهير، الذي وبعد طوافي به وصلت إلى محرابه حيث توجهت إلى القبلة وصليت ركعتين، آنذاك اغرورقت عيناي بالدموع وصرت لا أعي ما أقول وما أتلو من آيات في صلواتي. فتخيلت الأجداد هنا صفا واحدا في هذا البيت العتيق يؤدون فريضة الصلاة أيام العز والجاه في عصر الخلفاء، بهذا الصرح العظيم.

 

س- كيف كان الاهتمام بالدراسات الأندلسية في جامعة مدريد أثناء تدريسك بها في مطلع أربعينات القرن الماضي؟

ج- لقد التحقت لتدريس اللغة العربية بجامعة مدريد برغبة من المستشرق الشهير “أسين بلاثيوس” ورفيقه المستشرق “إميليو غرسيا غوميس” الذي اتصل بي وطلب مني أن أقوم بمهمة التدريس للغة العربية، لأنهم يريدون أستاذا من أبناء اللغة، وطلب مني أن أكلم هاتفيا الأستاذ “أسين بلاثيوس” الذي يرغب في الكلام معي في هذا الموضوع، وفعلا كلمته، فطلب مني أن أقبل العرض، فلبيت، وهذا ما جعلني أيضا أهتم بالبحث والتنقيب في هذا الموضوع، بالإضافة إلى أن الأستاذ “غرسيا غوميس” فتح لي أبواب مكتبة معهد الدراسات العربية بمدريد وهي فرع لنفس المركز بغرناطة ومؤسسها هو “أسين بلاثيوس”، وكانت تصدر مجلة شهرية تدعى الأندلس، كما كانت لي صداقة مع مدير قسم المخطوطات بالمكتبة الوطنية بمدريد الأب “بيدرو لونكا” الذي له كتاب يحمل اسم “الحياة الدينية للموريسكوس”، ثم أيضا وجدت مساعدة من طرف الصديق المصري الأستاذ عبد العزيز الأهواني أحد مؤسسي المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد، الذي أرشدني وسهل لي الحصول على مصادر من المكتبة المذكورة، فكنت أجمع ما تيسر لي وأدخره، ولم تكن لي نية في تأليفه وإخراجه إلى حيز الوجود ككتاب، إلى أن أتت فرصة سانحة في الموضوع، ذلك أن أستاذا مصريا كان مشرفا على دراسة نجل الخليفة السلطاني بمدريد ألف كتابا عن الأدب الأندلسي مع الحاج أحمد بلافريج الذي كان مقيما ببلدة الاسكوريال للاستشفاء، فأشركاني معهما في العمل، وكنت أقوم بنسخ الأصول التي يسلمانها لي، فكان هذا سببا لاهتمامي بالتأليف وإخراج ما هو مكدس عندي من المعلومات حول “الموريسكوس” إلى حيز الوجود.

 

س- حبذا لو تقدم لنا فكرة عن الخلاصات التي وصلت إليها في كتابك عن “محنة الموريسكوس”؟

ج- إن كتابي “محنة الموريسكوس” في الحقيقة يتضمن حياة أواخر المسلمين بإسبانيا بعد سقوط غرناطة ويدعون ب “الموريسكوس” وهو اسم ألصق بهم من طرف النصارى وهو تصغير لكلمة “مورو” أي المغربي أو المسلم، فالإسبان لا يفرقون بين المغربي والمسلم فكل من هو مسلم عندهم هو “مورو”، فهذه الأمة التي بقيت بإسبانيا بعد سقوط غرناطة كانت تعيش في جحيم؛ فبعد ذهاب دولتهم الأخيرة أصبحت مطالبة بالتنصر إذا أرادت البقاء بأراضيها، أوالخروج، فكانت تقاسي الأمرين وخاصة عندما تولى رئاسة الشؤون الدينية الكاردينال “ثيسنيروس”، الذي كان يقيم تجمعات في الساحات الكبرى بغرناطة لتنصير المسلمين. ولما ضاق “الموريسكوس” ذرعا بهذا قاموا بثورات عدة أهمها ثورة جبال البوشارات بضواحي غرناطة التي أعلنوا فيها عن تنصيب ملك عليهم لقبوه “محمد بن أمية” واسمه الموريسكي “فرناندو ذي فلور”. وقد ذكرت هذا في كتابي “محنة الموريسكوس في إسبانيا”.

 

س- أثناء تأليفك لهذا الكتاب هل كنت ترى نفسك بحكم انحدارك من أصل موريسكي، كطرف في الموضوع؟

ج- عندما أطالع المراجع وأفحص وأمحص وأدقق كثيراً، أشعر كأنني أبحث عن أصلي الذي اندثر مع مرور الزمن، أو كما يبحث الإنسان عن شيء تركه له أهله، فهو يريد أن يثبت هويته أو العثور على وثيقة تثبت ملكيته لشيء ضاع منه.

 

س- كتابك عن الفن المدجن، كان من أول ما كتب باللغة العربية حول الموضوع، حبذا لو تعيطنا فكرة عنه؟

ج- في الحقيقة بحثي في الفن المدجن كان يجب أن يكون قبل بحثي في موضوع “الموريسكوس”، لأن المدجنين سبقوا “الموريسكوس”، ولكن وكما يقال “صح إن قُدم أو أُخر”، لذا أرى أنه كان علي أن أكتب عن أحوال المدجنين ثم التطرق إلى “الموريسكوس” فيكون بهذا الكلام متسلسلا ومتناسقا. فالمدجنون ساهموا في ازدهار الحياة بإسبانيا في جميع نواحيها وخاصة ي الناحية الاقتصادية والفنية حتى إن أشراف إسبانيا كانوا يعارضون حكومتهم في طرد المدجنين لأنهم العنصر الحي في جميع مرافق الحياة، والآن أريد بعون الله أن أتدارك هذا بالتوسع في تاريخ المدجنين.

 

س- بحكم أنك عشت لمدة من الزمن في أمريكا اللاتينية، هل سجلت وجود مظاهر من الفن المدجن بهذه القارة؟

ج- إقامتي بأمريكا اللاتينية كانت إقامة عمل في السلك الدبلوماسي فلم يكن لي متسع من الوقت للبحث العلمي، ولكن عثرت على آثار ضئيلة بمدينة ريو ديجانيرو بالبرازيل وهي عبارة عن عمارة قديمة يتجلى في بنائها فن النقش والزخرفة على الخشب على الطريقة العربية، وإن كانت أمريكا اللاتينية تزخر بمثلها في عدة أقطار بل حتى في جنوب أمريكا الشمالية نظرا لنزوح “الموريسكوس” إليها خفية، تحت ظل الدين النصراني أثناء الاستكشاف هروبا من ظلم الكنيسة آنذاك بإسبانيا، حسب ما أورده “طوماس يرفينك”، وهو أستاذ باحث مستشرق أسلم وأسس مركزا إسلاميا بالولايات المتحدة الأمريكية وعمل أستاذا بعدة جامعات بها، ويصدر دورية بين الفينة والأخرى تشمل ترجمة لآية قرآنية وقصص تهم الإسلام، وفي إحدى نشراته الصادرة عام 1992 كتب عن المدجنين تحت عنوان: “حروف الفن المدجن بأمريكا”، وقد أوردت هذا في كتابي الأخير: “حياة أواخر المريسكوس بإسبانيا ودورهم خارجها”.

 

المصدر : مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات

أجرى الحوار الدكتور عبدالواحد أكمير

المواضيع ذات الصلة