تلخيص موجز عن الأوضاع الإقليمية للجوار الغرناطي قبل السقوط

تلخيص موجز عن الأوضاع الإقليمية للجوار الغرناطي قبل السقوط

بعد سقوط الدولة الموحدية انقسم الحكم في شمال إفريقيا بين المرينيين (المغرب و الجزائر و تونس) و الحفصيين ورثة الموحدين (الجزائر، ثم تونس و طرابلس) الذين دخلوا في صراعات دامية و مستميتة مع بعضهم البعض…

حاول المرينيون في بداية الأمر بسط نفوذهم على الأندلس و استرداد المدائن الضائعة، لكنهم فشلوا (لأسباب سنأتي عليها لاحقا) في تحقيق الاستقرار و النصر… لينتهي وجودهم بالأندلس في عهد السلطان أبي الحسن علي بن عثمان ( تُوفي 24 مايو 1351) بفقدان الجزيرة الخضراء (1343) آخر معاقل الجيوش العابرة من العدوة المغربية، و بذلك تكون الأندلس قد فقدت أهم قواعد الدعم العسكري الذي كان يوفر لها الحماية وقت الشدائد…
بعد ظهور ضعف ملوك غرناطة على مقاومة المد الصليبي، حاول الأندلسيون الإستعانة بالمرينيين و الحفصيين، لكن للأسف لم تكن الدولتان بالاستقرار و لا القوة اللازمة لرد البلاء…
الأمثلة في هذا الصدد لاتقل، من خلال المراسلات المؤرخة و مكاتيب الإستنجاد و فتاوي الفقهاء المعاصرين لفترات النكبة… و هذا ما أورده على سبيل الذكر بن خلدون أو لسان الدين الخطيب الذين عاصروا بداية الانهزام قبل أكثر من قرن و نصف على سقوط غرناطة…
لم يستطع المرينيون الاستجابة لنداء أهل الأندلس ولا اسقاط الحكم النصري بغرناطة لفرض سلطتهم، وقد دخل المغرب في القرن الخامس عشر فترة فتن داخلية هامة تميزت بانفلات الحكم بين سلاطين بني مرين ووزرائهم الوطاسيين الذين فرضوا وصاية على الحكام (على شاكلة الوصاية العامرية مع الأمويين بالأندلس من قبل) و أقاموا دولة داخل الدولة… فبدأت الثغور المغربية في السقوط ,في يد البحرية البرتغالية و القشتالية خاصة, حتى قبل أن تسقط غرناطة ، وانشغل الجميع بصد الهجمات أو إخماد فتن القبائل و انفلات الأمن…
وهنا يورد المؤرخ الرحالة المصري عبد الباسط بن خليل الحنفي الذي زار شمال إفريقيا وعاين أوضاع المغرب في هذه الفترة :” …ووقع بفاس وأعمالها خطوب ، وحروب ، وفتن ، وأهوال ، وفساد عظيم ، وخراب بلاد ، وهلاك عباد . وأخذت الفرنج في تلك الفترات عدة مدن من منابر العـدوة . مثل طنجة ، وأصيلا وغير ذلك .. ولا زالت الفتن والشرور قائمة مستصحبة بتلك البلاد مدة سنين ، بل إلى يومنا هذا …”
أما الحفصيون فقد تشبث أهل الأندلس في البداية بمبايعتهم حتى بعد سقوط الكثير من المدائن باعتبارهم ورثة الموحدين، و من جملة من بايعهم أهل إشبيلية وأهل ألمرية و أهل بلنسية و فيهم نظم الشاعر ابن الأبَّار القُضاعي قصيدة استغاثته الشهيرة:
أدرك بـخـيلك خـيـل الله أنـدلسا ***إن الـسـبيل إلــى مـنجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست *** فـلم يـزل مـنك عز النصر مُلتمسا
يـا للجزيرة أضـحى أهـلها جـرزاً *** لـلحادثات، وأمـسى جَـدُّها تَـعِسا
وفـي بـلـنسية مـنها وقـرطبةً *** مـا ينسف النفس أو ما ينزف النفسا
مـدائـنٌ حـلها الأشـرك مـبتسماً *** جـذلان وارتـحل الأيـمان مـبتئسا
وصـيرتها الـعوادي الـعابثات بها *** يستوحش الطرف منها ضعف ما أنِسا
يـا لـلمساجد عــادت لـلعدا بِـيعاً *** ولـلـنداء غــدا أثـنائها جـَرَسا
لـهفي عـليها إلـى استرجاع فائتها *** مـدارساً لـلمثاني أصـبحت دُرُسـا
لكن للأسف اكتفى الأمير الحفصي بإرسال الطعام و المال و السلاح بغير جيوش للمجاهدين في بلنسية و إشبيلية، ضاع أغلبها في أيدي قطاع الطرق و كتائب العدو…
الدولة الحفصية ايضا كانت في موقف مريح غير منذ نشاتها في القرن 13م و 14م، بسبب الصراعات الداخلية و تهديد الملوك الصقليين و الاراغون لسواحلها، حتى ان العلاقة مع صقلية كانت علاقة خضوع و مهادنة مقابل دفع الخراج تارة او الهبات تارة اخرى…(وهو ما وثقته المراسلات المحفوظة من مجموعة 30 رسالة بعثها السلطان التونسي الحفصي محمد الثاني (حكم 1295 – 1309) إلى ملك أراغون جاك الثاني (حكم 1291 – 1327)؛ و تدل على العلاقات الودية التي كانت توجد بين تونس الحفصية المسلمة (تونس وشرق الجزائر، 1228 – 1574) ومملكة أراغون المسيحية ؛)
في فترات النكبة التي سبقت السقوط، نجد أن بني حفص فقدوا الكثير من سيطرتهم بل ودخلوا في تحالفات سلمية مع ممالك أراغون و صقلية، قبل أن تنقلب تحالفاتهم رأسا على عقب و تشتت دويلاتهم القائمة هنا و هناك، بحكم كان قد صار متفرقا بين مرتزقة لادين لهم و لا أصول غير المال و السلب و قطع الطرقات مستغلين انفلات الأمن و القوى عند بني حفص و بني مرين..
هذا تلخيص موجز جدا عن الأوضاع الإقليمية للجوار الغرناطي قبل السقوط رأينا أن نقدمه استباقا لمقالات تحليلية سنفصل فيها لاحقا و بتدريج التفاعلات السياسية لدواعي الإنهزام الإقليمي بالأندلس…
و ما اشبه اليوم بالامس…