تحليل لوحة “إبحار الموريسكيين من إيل غراو ببلنسية”

تحليل لوحة “إبحار الموريسكيين من إيل غراو ببلنسية”

تحليل لوحة “إبحار الموريسكيين من إيل غراو ببلنسية”
عادة ما تحظى اللوحات التي تتناول موضوعا تاريخيا أو وطنيا أو إنسانيا باهتمام أكبر وتعيش فترة أطول وتجذب جمهورا أوسع ونقدا أغنى وأعمق. والعمل الذي سنقوم بتحليله اليوم يحتوي على كل هذه النقاط الثلاث معا. تتجلى أهمية اللوحة في تخليدها لحدث تاريخي مهم ألا وهو: عملية طرد المورسكيين من ميناء بلنسية . كما أنها تترجم حالة إنسانية و وطنية ، واصفة وبدقة توثيقية عالية ظروف رحيل الموريسكي عن وطنه. رسم اللوحة الرسام بيري أروميغ pere oromig سنة 1613. تنتمي لسلسلة من اللوحات التي رُسمت بأمر من فيليب الثالث نفسه والمعروفة باسم “طرد موريسكيي بلنسية “. تضم المجموعة سبع أجزاء تستعرض جميعها أهم الأحداث التي رافقت عملية طرد الموريسكيين من مملكة بلنسية و مجموع المشاهد التي وقعت خلال تنفيذ هذا القرار السياسي التاريخي والذي يعد واحدا من أهم حلقات القرن السابع عشر. تعتبر المجموعة وثيقة تاريخية وتأريخا مرئيا لحدث الطرد الذي صور الموريسكيين منذ ركوب أمواج البحر الأبيض المتوسط إلى غاية وصولهم لميناء وهران بشمال إفريقيا.
إن نجاح العمل التشكيلي بشكل عام غالبا ما يعتمد على مدى تمكن الرسام من ترجمة ما يدور في أعماق النفس البشرية، في ذلك المخبأ الصغير العميق الكامن بالداخل . أما نجاح اللوحة التاريخية بشكل خاص ، فيعتمد بالأساس على مدى إخلاص الرسام في ترجمة الحقيقة و تصوير الأحداث وفقا لحدوثها الواقعي . تبدأ مغامرة الرسام بالتوجس و المهابة أمام مادة عذراء طاهرة ناصعة البياض وتنتهي مع آخر لمسات الصباغ الفحل. وإذا كنا نستمتع بتلقي وفهم المعلومات المخطوطة على صفحات الكتب ونستوعبها أولا بأول نظرا لتقديمها اللغوي المتأني ، المنظم والتراتبي إلا أن المعلومات التي تصلنا عن طريق الرسمة تتعرى أمامنا في آن واحد مما يجعل منها أحيانا مادة عصية على الفهم، ونسقا تعبيريا عسيرا على التأويل والتحليل والقراءة. لذلك سنحاول في سطور معدودات تحليل محتوى اللوحة على عدة مستويات، والوقوف على بعض تفاصيل وحيثيات عملية طرد الموريسكيين التي كانت أوسع من جلباب اللوحة بكثير.

………………………………………………………………………………………………

السياق التاريخي

…………………
تتطور أحداث اللوحة في حي إيل غراو E Grao الواقع بشرق بلنسية على ضفاف البحر الأبيض المتوسط. وتصف إبحار موريسكيي مملكة بلنسية نحو مصيرهم المجهول. “بين سبتمبر 1609 و يناير 1610 يقدر مجموع الراحلين عن مملكة بلنسية بحوالي 117,464 شخص و 120,000 موريسكي تقريبا (…) . كان الكاردينال خوان دي ريبيرا الرجل الأول وراء قرار الطرد . وقد ألقى “خطاب شكر لله” في كتدرائية بلنسية عند إعلان القرار. (…) ثم قال بأن كل المصاعب تهون أمام القضاء على هذه البدرة الخبيثة (يعني المسلمين) الموجودة بيننا. ولم يعش عدو المسلمين هذا طويلا بعد إنجاز رغبته ، فمات غما في 6/1/1611 لعدم تمكنه من الإحتفاظ بكل الأطفال وتنشئتهم على الدين النصراني(…). في 21/9/1609 اجتمع الملك مع أعضاء مجلس الدولة والنبلاء وكبار رجال الدولة ، وفي اليوم التالي أعلن قرار الطرد ، وهذه أهم بنوده: ابتدأ القرار بالإشارة إلى خيانة الموريسكيين واتصالهم بأعداء اسبانيا ، وفشل كل الجهود التي قامت بها الكنيسة لتنصيرهم ، لذلك استقر رأي الملك على طردهم إلى “بلاد البربر” (شمال افريقيا) وتقرر إخراجهم جميعا من مملكة بلنسية ، رجالا ونساءا وأطفالا،خلال ثلاثة أيام. وإذا عثر على أحدهم بعد هذه المهلة، يقبض عليه ويجرد من كل أمتعته، وإذا قاوم يقتل. وعلى موريسكيي بلنسية في ظرف الايام الثلاثة ، المكوث في ديارهم في انتظار مسؤولي الدولة الذين ينفذون الأمر. وقضى القرار بالإعدام على كل من يخفي مال الموريسكيين. ولم يسمح للموريسكيين إلا بحمل أموالهم المنقولة التي يستطيعون حملها شخصيا، وكل من يحاول حمل أكثر من ذلك يعرض نفسه لعقوبة الإعدام. أما الأموال التي لا يستطيعون حملها فتسلم للنبيل الذي كان الموريسكي تابعا له. ويستثني القرار من الطرد ستة أشخاص من كل مئة لتعليم مهنهم للنصارى ، على أن يكونوا من أكثر الموريسكيين إخلاصا للنصرانية وأكبرهم سنا (وقد ألغي هذا البند فيما بعد). ويلغي القرار الأمر السابق بعدم الإساءة للموريسكيين بعد مهلة الثلاثة أيام. ويسمح لعشرة من الذين سافروا في الفوج الأول بالعودة لإخبار باقي الموريسكيين بالمعاملة التي لاقوها في رحلتهم من طرف ممثلي الدولة. ويسمح القرار بإبقاء أبناء الموريسكيين الذين يودون ذلك شرط موافقة أوليائهم. كما يسمح بإبقاء الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات والذين هم من أب نصراني أو أم نصرانية، وتبقى معهم أمهم إن كانت موريسكية ويطرد الأب الموريسكي. كما استثنى القرار من الطرد الموريسكيين الذين كفوا عن الإختلاط بالجماعات الموريسكية منذ أكثر من سنتين، واندمجوا في المجتمع النصراني”. (1) تعكس اللوحة اهتماما كبيرا بالرغبة في التوثيق الدقيق للحدث، فبالإضافة لعناصر وشخصيات اللوحة، تضم معلومات توثيقية دقيقة نذكر من بينها استحضار الرسام لاسم المكان الذي أقلعت منه القوارب: El Grao. واسم بعض الشخصيات المؤثرة في المجتمع البلنسي و المسؤولة عن عملية الطرد( El Marqués de Caracena) ماركيز كورسينا وهو الذي أصدر في مايو لسنة 1611 قرارا إجراميا للقضاء على المتخلفين من الموريسكيين عن الطرد قال فيه، وفقا لما ذكره الأستاذ الدكتور علي المنتصر الكتاني في كتاب انبعاث الإسلام في الأندلس ص. 166:” نَهَبُ لكل من يخرج في متابعة هؤلاء المسلمين : ستين ليرة ثمن كل موريسكي يؤتى به حيا ، وثلاثين ليرة ثمن رأس كل مورسكي يقتل. ولمن يأتي بموريسكي حيا الحق في الإحتفاظ به كعبد من عبيده ، هبة منا إليه “. وهذا ما يفسر بقاء عدد كبير من الموريسكيين في إسبانيا كعبيد. كما يتوزع في أعلى اللوحة نصين قصيرين على اليمين وعلى الشمال يمنحان كتابيا معلومات دقيقة عن عملية الطرد.
………………………………………………………………………………………………………..

مضمون اللوحة

………………………………….………

إن مضمون اللوحة قويّ ولا شكّ. تزدحم الرسمة بعدة مشاهد وشخصيات وتفاصيل كلّها ممّا يسترعي الإهتمام نذكر من بينها:

1

مشهد الشيخ المسن:

_________

يقدم الرسام بالجهة اليسرى للوحة شخصية شيخ محمول بين الأيدي. يتعلق الأمر بموريسكي مسن يحتضر بين ذراعي حامليه ، لم يرحم ضعفه قرار طرد الموريسكيين الصادر عن فيليب الثالث سنة 1609 . لعل المشهد يخلد ما ذكره أشد أعداء الموريسكيين تطرفا، الراهب و المؤرخ البلنسي خايمي بليدا ، ويعد واحدا من أهم مناصري قرار طرد الموريسكيين، في كتابه Crónica de los moros de España :

حيث تحدث عن شيخ موريسكي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة في لحظات رحيله الأخير عن بلنسية ، كهل في مرض ومحنة وضعف وفوق هذا وذاك، يغدو في اغتراب. شيخ مسن شابَ فؤاده وما في الشيبِ عابُ. طلب من حامليه التوجه به للقارب وإن كان على يقين بأن موعد رحيله عن الدنيا قد حان . وذلك ما حدث بالفعل ، فما أن وصل للقارب حتى توفي بعد أن سُمع يتمتم اسم محمد (ص) . فألقوا به في البحر بعد ذلك.( (2

2- أب موريسكي يودع ابنته:

_________________

في المستوى الأول للوحة على الجانب الأيسر، يتطور مشهد توديع أب موريسكي لابنته الصغيرة للمرة الأخيرة . جسدٌ مقعدٌ بتوديعٍ لا يروم لنهضة . ومركبٌ خلفه في الإنتظار ينتهي و انحناءات الأب في تحية ابنته لم تنتهي. لا تبدو الفتاة حزينة على فراق والدها. تبدو تحيتها ثابتة وباردة نوعا ما كمعظم وجوه شخصيات اللوحة (خاصة إذا ما قارنا اللوحة بباقي أعمال الرسم التي تطرقت لموضوع طرد الموريسكيين). لا يجب أن ننسى أن اللوحة رُسِمَت بأمر من فيليب الثالث، إذن فالهدف هنا ليس عرض الرحيل الموريسكي وفراق الآباء عن أبنائهم بصورة حزينة ، وإنما تخليد حدث سياسي و تلميع قرار الطرد وعرضه بإيجابية. فاختطاف الطفلة من والدها هنا يعتبر قرارا “إيجابيا” إنه بمثابة إنقاد للطفلة من الإسلام / “الكفر” . “كان ريبيرا يرغب في الإحتفاظ بأطفال المسلمين الذين تقل أعمارهم عن 12 سنة لتربيتهم على النصرانية ، لكن مجلس الدولة قرر الإحتفاظ فقط بالأطفال دون ست سنوات من العمر لكي لا يحتفظوا بأي ذكرى للتربية الإسلامية بعد بقائهم . وبعدما رفض أهلهم التخلي عنهم ، أخد النصارى كبيرهم وصغيرهم بما فيهم زوجة نائب الملك ، يختطفون أبناء المسلمين لإنقاذهم من “الكفر” (3). مثيرة للإنتباه ملابس الطفلة أمام بساطة المرأة الموريسكية الراحلة الملتزمة بملابسها التقليدية المحافظة , والمتمسكة بحجابها. كما يتكرر مشهد توديع الآباء لأبنائهم عدة مرات في اللوحة. 3-

الطبقة العليا للمجتمع الكاتوليكي البلنسي تترأس عملية الطرد:

______________________________________

تتوزع على الضفة مراكب تنقل الموريسكيين المطرودين نحو وجهتهم الأخيرة، تحت إشراف عناصر من الجيش، الطبقة العليا للمجتمع البلنسي وبعض الشخصيات المسؤولة عن تنفيذ عملية الطرد. تحتل هذه الشخصيات يمين المستوى الأول للوحة. إن التفاصيل الصغيرة في هذا الجزء لها أهميّتها. شكل القبّعات والملابس و اللحى والعصي والأحذية وكذلك إيماءات الجسد، كلّها تحمل دلالات الطبقة التي ينتمي إليها كلّ شخص كما تتضمّن معاني السيادة والخضوع التي يفرضها التفاوت الاجتماعي في المنزلة والطبقة. لم تكن الموضة في المجتمع القشتالي في القرن السابع عشر أمرا تافها أو غير ذا أهمية وإنما كان الهندام هاجسا لتقييم الشخص ولتحديد مكانته الإجتماعية. على سبيل المثال، تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في رواية “لاثريو دي تورميس”(بالإسبانية Lazarillo de Tormes ) وهي رواية إسبانيّة مجهولة المؤلف، و لوحة ساخرة لمجتمع ذلك الوقت الذي يفتقر للرحمة وتتفشى فيه الرّذائل وينتشر فيه النفاق خاصةً بين رجال الدّين المسيحيّين والمتديّنين. وتختلف الفرضيّات حول مؤلفه، فيرى البعض أنه من المؤيدين لأفكار الإراسموسيّين، وهو ما دفع محاكم التّفتيش إلى حظرها ثم السّماح بنشرها في وقت لاحقٍ بعد تنقيحها. ولم يعاد نشر العمل بشكل كامل حتى نهاية القرن التاسع عشر. يتجلى هاجس الإهتمام بالإطلالة الخارجية عند ملاقاة لاثارو ,الذي يعاني الفقر و الجوع بسيده الجديد . وعندما رآه لاثارو أول مرة، ومن خلال هندامه الأنيق والمرتب ، ظنّ أن القدر قد ابتسم في وجهه أخيراً فقاده لفارسٍ نبيل غنيّ وفير الطعام، فأخذت لاثرو أناقة ثياب الفارس وهيئته. غير أنه لم تدم تلال الطعام وعيش الرخاء التي انتظرها سوى دقائق فتحطّم كل شيء، وتجهّم وجهه بمجرّد أن دخل منزل الفارس حيث تبخرت أحلامه وذهبت أدراج الرياح، فقد استيقظ من أوهامه على منزل يتبعثر في أنحائه الفراغ، ولا يحوي سوى سرير مهترئ يأوي إليه الاسكوديرو ليلاً لينام. عرِف منه بعد ذلك لاثارو أنه لا يملك حتى فتات الخبز، وأن كل ما يملكه هو أناقته وهيئته النبيلة التي تذكّره بأمجاده، تلك الأمجاد التي يفضّل الموتَ جوعا على أن يلوّثها ويلطخها باستجداء قرشٍ أو رغيف خبز واحد.
يمثل هذا الجزء من اللوحة مثالا حيا لإسبانيا تلك الفترة حيث أن الملابس لم تكن أمرا نفعيا أو وظيفيا وإنما دلالة على المكانة الإجتماعية، كما شكلت أحيانا إحالة على مهنة الشخص ، فالطبيب اعتاد أن يلبس خاتما براقا في إبهامه وبرنسا. أما القضاة فتميزوا برداء طويل خاص وقلنسوة مختلفة الشكل.و لم يكن للجند لباسا رسميا يعرفون به ولكن تميزوا بالشارب الضخم ، السيف، الخناجر، البنادق، وقبعات الريش (4). “وقد اختلف موقف النبلاء من الموريسكيين المطرودين بعد أن ساندوهم لمدة قرون . فمنهم من عاملهم في محنتهم أحسن معاملة ، وحرسهم إلى أن ركبوا السفن ، ومنهم من عاملهم بقساوة ونهب أموالهم، ككونت قسطنطينة الذي سلب الموريسكيين المهجرين من منطقتهم أموالهم وملابسهم الخاصة” (5).

4-

رموز دينية لشرعنة جريمة الطرد

_____________________

يرمز كل من تمثال الصليب الضخم الذي يتوسط الساحة و رسوم الصليب التي صُوِّرَت لأكثر من مرة على الملابس والمعدات الحربية، للحضورالكنسي. عادة ما تُعرِّضُ سياسة الإحتلال الشعوب المُستعمَرة للقهر تحت مسميات ثورية نبيلة ووهمية. فتبحث عن مبررات سامية زائفة وخادعة تُبرر من خلالها الجرائم المُقترفة، ومن بينها التنصير. إذ لطالما استُخدِمَ الدين هو الآخر لخدمة السلطة. يعكس تكرار تصوير الرموز الدينية المسيحية في فضاء اللوحة رغبة في شرعنة الجرائم التي اقترفها المستعمر الإسباني ضد أفراد المجتمع الموريسكي من طرد وسرقة و قتل و واستغلال وتحقير.

مثير للإنتباه أن اللوحة وإن اندرجت تحت تيار واقعي إلا أنها أهملت التطرق لمجموع عمليات السرقة والنهب والقتل التي تعرض لها الموريسكي والتي تورط فيها حتى أفراد الجيش الإسباني ، واكتفت فقط ببعض التلميحات المنمقة للخطف الذي تعرض له الأطفال الموريسكيون . لعل الرسام تستر على هذه الجرائم والفضائح لتلميع صورة الطرد خاصة أن اللوحة رسمت بأمر من فيليب الثالث.

تطلع الموريسكيون لطرد إنساني رحيم “لكن أملهم في الخروج بسلام لم يتحقق ، إذ لم يرحمهم عدوهم، فصاحبت عمليات الطرد جرائم وفظائع لاتصور.فقد أمرتهم السلطات بحمل ما استطاعوا من أمتعتهم ، على ظهورهم . ثم عندما أخذوا يبيعون مواشيهم ودوابهم ومنتوجاتهم الزراعية، من حبوب وزيوت وغير ذلك ، للنصارى بأبخس الأثمان ، منعوا وأعطي ذلك للنصارى. ثم تكونت في الطرقات عصابات من النصارى ، تسطوا عليهم وتجردهم مما يحملون من حلي ومال ويقتلون منهم من شاؤوا ، وشارك في النهب والسبي والقتل أفراد الجيش الذين يحرسونهم (6).

 

 

5-

دواب، عربات ، قوارب و سفن تنقل الموريسكيين لمنفاهم الأخير:

_________________________________________________

“جمعت سفن إيطاليا في جزيرة ميورقة (الجزر الشرقية) حيث يسهل توجيهها إلى موانئ الترحيل بمملكة بلنسية … فلم يصل صيف 1609 حتى اجتمعت خمسون سفينة في ميورقة و 4000 جندي في مملكة بلنسية ، بالإضافة لحرسها وخيالة قشتالة لمراقبة حدودها البرية ، وقوات المليشيا. وكلف الأسطول الإسباني في المحيط الأطلسي بمراقبة شواطئ شمال افريقيا بقيادة أمير البحر أوكندو “(7).

 

يزدحم الموريسكيون في فضاء اللوحة داخل عربات ضيقة تقودهم نحوالضفة حيث السفن والقوارب بانتظارهم . لم يصلوا جميعا بسلام لمنفاهم الأخير . أغرق أصحاب السفن النصارى كثيرا من الموريسكيين الذين نقلوهم ، لسلب أموالهم.

6-

أحصنة للإسبان ودواب للموريسكيين:

_________________________

مثير للإنتباه التباين الحاد الحاصل على المستوى الأول للوحة بين يمين الرسمة “نبلاء المجتمع الإسباني” ويسارها “العنصر الموريسكي الراحل”. لكلّ عنصر فضاؤه الوجودي الخاص والمستقل. ونادرا ما ينصهر أحدهم في الحيز الوجودي للآخر.

إذا كان الكلب أفضل صديق للإنسان، فالذي دون التاريخ أكيد كان حصانا. كان للحصان أثر براق في تاريخ البشرية. فهو حامل المستكشفين إلى أبعد بقاع الأرض ومؤنس الرحّالة ونصير الجيوش. و تلميعا للمكانة الإجتماعية للطبقة المشرفة على عملية طرد الموريسكيين، اختار الرسام أن يطل بعض أفرادها من أعلى الأحصنة.

بينما تظهر جل الشخصيات الموريسكية كما لو كانت مشدودة إلى الأسفل ،أحيانا بفعل ثقل متاع أو حركة أو توديع ، وأحيانا أخرى بفعل قوّة استعلائية خفية تخدم إطلالة نبلاء المجتمع الكاثوليكي. كما أن جميع الدواب التي يستعين بها الموريسكي تبدو في وضع منحني و مطأطأة الرأس.

تقدم معظم شخصيات المجتمع البلنسي الإسباني الكاثوليكي ببشرة بيضاء على غرار المجتمع الموريسكي ذي البشرة السمراء فاللون الأسمر هنا ،وبعيدا عن مسألة ارتباط العرق بلون البشرة، قد يعطي أيضا انطباعا بأن المرء ليس من مكانة اجتماعية مرموقة، فهو مجرد عامل لا يحظى بحياة مرفهة.

………………………………………………………………………………………………………..

بناء اللوحة وأبعادها:

_______________

يمكن تقسيم بناء اللوحة لثلاثة أجزاء: جهة البحر ، جهة البر و الجهة الثالثة الخاصة بالمدينة. مع إلقاء أول نظرة على اللوحة قد تبدو وكأنها شاشة ديناميكية متحركة نظرا للغتها المرئية الإنفعالية النابضة والغير مستقرة. وبوسع المرء ، وهو يتأمّل مجموع مشاهد اللوحة، أن يتخيّل ضوضاء وضجة المكان و أن يخال أصواته الصاخبة.

كما يمكن تقسيم بناء اللوحة باعتماد بعض المشاهد المتمركزة في الوسط ، والتي تقسم الحيّز إلى مناطق متقابلة للتأكيد على الطبيعة الثنائية للموضوع “العنصر الموريسكي الراحل ” و “العنصر القشتالي المتفرج “. رُسِمَت أجزاء وعناصر اللوحة بواقعية شديدة لدرجة أنها لا تبدو مختلفة كثيرا عن الصورة الفوتوغرافية. تم تصوير الأشياء و العلاقات، بصورة واضحة قريبة مما يمكن أن تكون عليه في العالم الحقيقي الواقعي دون الجنوح للفانتازيا أو الرومانسية. تصور اللوحة عملية الطرد عبر تقديم عدة مشاهد مصغرة تختزل الوجود الإنساني إلى مجرد مجموعات و نقط شبحية مصغرة وضائعة ومنتهية لتفسير ظروف وحيثيات الحدث الأكبر : الطرد.

نجح الرسام في دمج المتلقي في بُعد العمق. بحيث تبدو اللوحة وكأنها لا تحتوي فقط على بعدي الطول والعرض وإنما أيضا على بُعد ثالث. بمعنى أن هناك إيحاءا بتتالي وتلاحق المشاهد المرسومة ابتداءا من الأقرب إلى الأبعد عن طريق اللعب بالألوان المضيئة والمظلمة وتحريف أحجام الأجسام.

 

 

 

………………………………………………………………………………………………………

استخدام الضوء والألوان

________________________

 

 

تخلد اللوحة عملية الطرد بصيغة ملونة . يأتي الضوء من اليسار نحو اليمين. يزيد اختيار الألوان القاتمة في الخلفية الجبلية والمستوى الأولي للبحر من تمركز الأقسام المضاءة. من الواضح أن الرسّام استخدم طبقات متعدّدة من الألوان والظلال من أجل منح إحساس حقيقي بعملية الطرد ولتكثيف الجوّ الواقعي للمشهد.

………………………………………………………………………….

سميرة فخرالدين

 

………………………………………………………………………….

هوامش:

(1) انبعاث الإسلام في الأندلس. الأستاذ الدكتور علي المنتصر الكتاني.ص 163,164,167.

(2) LA EXPULSIÓN DE LOS MORISCOS EN LAS ARTES PLÁSTICAS

José Mª CallejaMaestre

Extractos de una conferencia

[2010]

(3) انبعاث الإسلام في الأندلس. الأستاذ الدكتور علي المنتصر الكتاني.ص 167.

(4) La moda en la Espana del siglo de oro . Primera parte.

(5) انبعاث الإسلام في الأندلس. الأستاذ الدكتور علي المنتصر الكتاني.ص 164.

(6) انبعاث الإسلام في الأندلس. الأستاذ الدكتور علي المنتصر الكتاني.ص 164.

(7) انبعاث الإسلام في الأندلس. الأستاذ الدكتور علي المنتصر الكتاني.ص 162

المواضيع ذات الصلة