تحطيم جيش نابليون للحمراء: حقيقة تاريخية أم أسطورة؟

تحطيم جيش نابليون للحمراء: حقيقة تاريخية أم أسطورة؟



يوجد التذكار بأحد الجدران المحيطة بالحمراء في مكان غير بعيد عن مدخل القصبة. ويُخلّد “العمل البطولي” الذي قام به هذا الجندي لإنقاد الحمراء. ترجع القصة لنهاية ما سمي بحرب التحرير الإسبانية عندما عزم جيش نابليون الإنسحاب من غرناطة وبالضبط من الحمراء.

عزمت الجيوش الفرنسية في 15 و 16 من سبتمبر لسنة 1812، بقيادة العسكري والسياسي الفرنسي جان دو ديو سول، واحداً من رجال نابليون القلائل القادرين على قيادة الجيش الفرنسي بعيداً عن الإمبراطور، على مغادرة مراكزهم بالحمراء أمام تقدم الجيوش الإسبانية بقيادة فرانسيسكو بايستيروس. حسب الرواية المتوارثة شفهيا، أمر القائد الفرنسي بوضع متفجرات بقصور بني نصر قصد تحطيمها. ثم أمر بإشعال الفتيل مما أدى لسلسلة من الإنفجارات التي مست البرج المسمى “برج نهاية الطريق” والذي أُطلق عليه هذا الإسم لوقوعه عند نهاية الطريق الكبير بالحمراء. ولم يتبق من هذا البرج جراء التفجير إلا بقايا الأثر، حيث دمرته كتائب نابليون يومها بشكل شبه كلي. يقع البرج المدمر بين برج الأميرات وبرج الماء الذي دُمّر أيضًا يومها بشكل جزئي. ويستمد برج الماء اسمه من موقعه إلى جوار قناة جر المياه التي توصل المياه إلى جنة العريف إلى قصر الحمراء. ولم يتبق منه إلا آثار قليلة حيث تم تفجيره مثل برج نهاية الطريق.

أما بقية آثار الحمراء، فلم ينلها نفس الحظ، حسب التراث الغير المادي المتوارث شفهيا بغرناطة، قام الجندي الإسباني خوسيه غارثيا بإطفاء الفتائل المشتعلة بجسمه. فنجت قصور بني نصر من سلسلة الإنفجارات بفضل تدخله. إنها وبإيجاز قصة هذا التذكار المخصص لخوسي غارثيا.

قليلة هي المعلومات التي وردت عن شخصية خوسي غارسيا. كل ما نعرفه أنه كان جنديا في صفوف كتيبة المعاقين أو العاجزين وهي إحدى كتائب الجيش الإسباني. خُصِصت هذه الكتيبة لضم كل جندي سبق له أن تعرض لجروح أو تشوهات في حروب سابقة. وبالفعل سبق لخوسي غارسيا أن فقد يده كما تعرض لجروح بليغة عل مستوى الركبة في معركة بايلين (سنة 1808 ). ونظرا لضعف هذه الكتيبة الجسماني فعادة ما وُكِّلَ لأعضائها القيام بمهام المراقبة.

توفي خوسي غارسيا سنة 1843، متأثرا بإصابته بالكوليرا. ويقال أن منذ ذلك التاريخ، أي منذ الفترة المسماة “حرب التحرير الإسبانية”، كُلفت هذه الكتيبة بحماية ومراقبة الحمراء والغابات المحيطة بها ثم توارثت المهنة أبا عن جد بعد اختفاء هذه الكتيبة من الجيش الإسباني.

يُشكك عدة باحثين في صحة هذه القصة ويصفها العديد من المؤرخين بالأسطورة. إذ لا وجود لتوثيق تاريخي مكتوب يذكر حادث إنقاد خوسي غارسيا للحمراء. فالأمر ليس سوى رواية تناقلتها الأجيال شفهيًا. وحتى الشخصية نفسها، شخصية خوسي غارسيا، تبدو غامضة وغير معروفة لقلة الوثائق المكتوبة أو المتوفرة حولها.

صحيح أن جيوش نابليون اعتادت تفجير الحصون قبل تركها. صحيح أنها قامت بتفجير برجي نهاية الطريق وبرج الماء. صحيح أن تفجير الحصون كان بروتوكولًا حربيًا لدى جيش نابليون ولكن ليس هناك أي دليل موثوق به يؤكد رغبتهم في تفجير قصور بني نصر. ليس هناك أي دليل يؤكد قصة إطفاء خوسي غارسيا لمتفجرات بالحمراء.

وعند العودة للمعطيات وللوثائق المتوفرة، قد يبدو أن الفرنسيين لم يكونوا مخيفين لتلك الدرجة التي يوصفون بها دائمًا. فُتِن القائد الفرنسي أوراس سيباستياني بسحر البنايات الإسلامية الموزعة على مستوى أعالي غرناطة فقرر إدارة الأمور الحربية من القلعة الحمراء. أصلح مباني الحمراء. رمَّم الأسقف المتضررة جرّاء عامل الزمن. أخرج الحمراء من دائرة النسيان والإهمال. كما قام الفرنسيون بإصلاح قنوات المياه مما سمح للموزعات المائية بالتدفق من جديد. و بتجديد مبانيها و تحصينها عسكريا وتحويلها لمعقل عسكري. شيدوا حواجز طبيعية حول الحمراء بغرس حوالي 3000 شجرة. كما يُعتبر جوزيف نابليون بونابرت، الشقيق الأكبر لنابليون الأول في فرنسا، الذي قدم له مُلك نابولي وصقلية ومُلك إسبانيا والإنديز ك”جوزيف الأول” ل إسبانيا (1808-1813) من الملوك الذين اهتموا بتراث الحمراء إذ خصَّص لها ميزانية مالية خاصة. هذا فضلًا عن الإصلاحات و التشييدات التي وفرها الإستعمار النابليوني للمدينة كتشييد مسرح نابليون الذي سمي لاحقًا ب”مسرح سيربانطيس” و حدائق شنيل وأعمال أخرى.

كما تمخضّت حرب شبه الجزيرة الأيبيرية وبشكل عام عن بعض النتائج الحاسمة على المستوى العالمي، حيث استطاعت المستعمرات البرتغالية والإسبانية في أمريكا الجنوبية التحرر من قبضة إسبانيا والبرتغال اللتان اعتراهما الضعف.

وبخصوص قصة إنقاذ خوسي غارسيا للحمراء، فكل ما تم إيجاده حتى الآن هو وثيقة تُدَوِّن ما تم العثور عليه عند مدخل الحمراء لما غادرها جيش نابليون: أسلحة مكسورة، كتب الإنشاد الديني (مخطوطات موسيقية جرى استعمالها بالكنائس)، قطع أثاث وألغام أرضية. فهل حاول الفرنسيون تفجير قصور بني نصر كما فجروا برجي نهاية الطريق وبرج الماء؟ أم أن قصة خوسي غارسيا ليست سوى أسطورة وطنية؟ لماذا لم يتم منح الشخصية جائزة تقديرية أو رتبة عسكرية للإعتراف بإنجازه؟ لماذا خَصَّصت إدارة الحمراء تذكارًا لحدث غير موثق تاريخيًا، حدثٌ لم يصلنا سوى عن طريق التراث الشفهي الغرناطي؟.

 

سميرة فخرالدين