تأسيس إمارة غرناطة و الثمن الباهظ

تأسيس إمارة غرناطة و الثمن الباهظ

في مثـل هذا اليـوم، الثامن و العشرون من شباط عام 1246 للميلاد، محمـد بن نصـر الملقب بابن الأحمـر، يسلم جيّـان الأندلسية إلى فرنانـدو الثالـث ملك قشتالة و ليون و يوقـع معه معاهدة جيّـان التاريخيـة.

بعد تهاوي الدولة الموحدية إثر هزيمة العقاب، اكتسحت جيوش النصارى مدن الأندلس واحدة تلو الأخرى، و تم تقاسم النفوذ بين قشتالة و أراغون، فتولت مملكة أراغون احتلال كل ما في شرق الأندلس مسقطة المدن الشهيرة كبلنسية و شاطبة و جزر الباليار و غيرها، و تولت قشتالة وسط و غرب الأندلس. و في ظل الفوضى العارمة و غياب القيادة و انهيار الموحدين، ظهر إبن هود في شرق الأندلس، و الذي استطاع جمع قوة لا بأس بها و ضم كثيراً من المدن تحت سلطانه و كان عازماً على إنهاء الموحدين و صد النصارى في آن واحد، إلا أنه توفي فجأة و تشير الروايات إلى اغتياله من أحد أمراء الأندلس الطامعين. و في تلك الظروف المأساوية دخل فرناندو الثالث قرطبة عاصمة الأمويين و حاضرة الأندلس في ضربة قاصمة للوجود الإسلامي في الأندلس. و تزامنت هذه الأحداث بظهور محمد بن نصـر الملقب بابن الأحمر، و هو من عائلة عربية يعود نسبها لسعد بن عبادة سيد الأنصار، فالتفت حوله مدن جنوب الأندلس و دانت له بالطاعة، و أصبحت غرناطة مقر إمارته، و اجتمع إليه قوة لا بأس بها لحماية ما تبقى من أرض الاندلس. و قد رأى فرناندو الثالث ملك قشتالة في ابن الأحمر أخر قوة وجب التعامل معها فحشد جيشه و زحف إلى أحواز جيّـان يرافقه بيلايو كوريرا، المعلم الأكبر لفرقة القديس يعقوب الصليبية، و استطاع أن يسقط الحصون و الخطوط الأمامية للمدينة في قبضته ثم ضرب حصاره على جيّـان عام 1245. و عند ذلك قام محمـد بن نصـر بالقدوم إلى فرناندو الثالـث شخصياً في معسكره أثناء الحصار، و عرض عليه تسليم المدينة بالأمان. ففرض عليه فرناندو شروط معاهدة جيّـان، و وافق ابن نصـر عليها على الرغم من خطورتها و ضربها لكل مبدأ إسلامي.
نصت معاهدة جيّـان على تحديد حدود مملكة غرناطة الجديدة التي سيحكمها ال نصـر و لكن باسم ملوك قشتالة و ليون و بتبعية كاملة لهم. و على أن تقدم غرناطة جزية سنوية مقدارها 150 ألف قطعة ذهبية، و أن يحضر ابن الأحمر اجتماع مجلس الكورتيس في قشتالة بصفته من الأمراء التابعين للعرش. و كان البند الأشد فداحة هو تعهد ابن الأحمـر بمساعدة النصارى ضد أي خصم لهم و إمدادهم بالجنود، و توجت هذه الخيانة بمشاركته مع الجيش النصراني المحاصر لإشبيلية، درة الدرر الأندلسية، و ذلك أثناء سقوطها المدوي عام 1248.
و بهذه المعاهدة، قامت مملكة غرناطة و ابتدأت مسيرتها التي مثلت الصفحة الأخيرة من تاريخ الإسلام في الأندلس.
يرى المؤرخون في تصرف ابن نصـر ذلك اليوم رأيين، فالنظرة الإسلامية ترى فيه خيانة و انبطاحاً لا ريب فيه لعدو الأمة. و النظرة الميكيافيللية التي تؤمن بالغاية التي تبررها الوسيلة، ترى أنه استطاع أن يحفظ مملكة غرناطة و يمد في عمرها ما يزيد عن القرنين مقابل مساعدته في ضرب إشبيلية و غيرها، و أنه تعامل بالممكن و قدر قوته في وجه الطوفان النصراني القادم من الشمال.
في الصورة : محمـد ابن نصـر يسلّم جيـان التي تبدو قصبتها في الأعلى إلى فرنانـدو الثالـث ملك قشتالة و ليـون.
المواضيع ذات الصلة