بنى سراج بين الحقيقة التاريخية والأساطير الشعبية

بنى سراج بين الحقيقة التاريخية والأساطير الشعبية

يقترن اسم بنى سراج بحوادث مملكة غرناطة فى أيامها الأخيرة، فقد كانوا من اشرف بيوتها، وتولى بعضهم الوزارة لسلاطين بنى الأحمر ولعل أبرزهم يوسف بن سراج الذى تولى الوزارة للسلطان أبى عبد الله محمد بن نصر المعروف بالأيسر، ومنذ ذلك الوقت ظهر بنو سراج بغرناطة كأنداد للسلاطين، والمحركين لخيوط الأحداث على المسرح السياسى، وكان بأيديهم الحل والربط فى جميع مناحى الحياة الأدبية والمادية، وبنى سراج من أعرق الأسر الأندلسية العربية التى نزلت الأندلس فى تاريخ غير معروف على وجه الدقة، ولكن اسمهم ورد أول مرة مرتبطًا ببجانة ويذكر الحميرى:

ان بجانة مدينة بالأندلس كانت فى قديم الدهر من أشرف قرى أرش اليمن، وانما سمى الأقليم أرش اليمن لأن بنى أمية لما دخلوا الأندلس أنزلوا بنى سراج القضاعيين اليمنيين وجعلوا إليهم حراسة ما يليهم من البحر وحفظ الساحل

ويذكر المؤرخون ان بنى سراج بذلك تمتعوا بحكم ذاتى واستقلال جزئى، كما اصبح لهم الحق فى استغلال وادى أرش الذى كان يعرف فى العصر الإسلامى بوادى بجانة، وأقاموا برجًا للحراسة بالقرب من مصب وادى بجانة فوق المرتفع الذى تقوم عليه قصبة المرية حاليًا وسموا هذا البرج ومكان الحراسة بإسم مرية بجانة واتخذها العرب رباطًا وابتنيت فيها الأربطة.

يرجع الحميرى والمقرى أصل بنو سراج إلى قضاعة، فيما يذكر ابن بسام أنهم ينتمون إلى بنى كلاب بن ربيعة وان جدهم هو سراج بن قرة الكلابى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما أكسبهم شرفًا ومجدًا عبر التاريخ الإسلامى.

ويتفق ابن حزم مع ابن بسام فى هذا النسب ففقد أورد ما يشير إلى ان سراج بن قرة ينتمى إلى بنى عبد الله بن كلاب.

على هذا النحو نجد انفسنا أمام فريقين يختلفان فى نسب بنى سراج

هناك أسباب كثيرة تدعو إلى ترجيح الرأى الثانى وانهم من بنى كلاب ومنها ما ذكره المقرى عندما هاجر الكثيرين من بنى سراج من قرطبة بعد سقوطها وأقاموا فى غرناطة تحديدًا رغم وجود عدد من المدن الأندلسية التى بقيت فى حوزة المسلمين ونتساءل لماذا آثر بنو سراج التوطن فى غرناطة بالذات؟ ونستند فى الإجابة على هذا التساؤل إلى نص أورده المقرى يذكر فيه : “ان كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصة بن معاوية بغرناطة كثير” إذًا فقد اختاروا الموضع الذى كانت تنزل فيه كلاب التى ينتسبون إليها

وفى قرطبة التى استقر فيها بنو سراج زمنًا احتفظوا زمن الفتنة بمكانتهم السامية كما ذكر ابن بسام فى الذخيرة حيث قال: “بل اقتصروا على مكاسبهم الطيبة، وترقيح رفيع معايشهم من ضياعهم المنتشرة، مقتعدين غارب الوقار والتجلة أيام الصلاح وزمان الجماعة، ثم استمروا على طريقتهم تلك فى مدة الفتنة وأمد المحنة عند تقلص الأموال وذهاب الأحوال، وتقلب الإيام وذهاب السلطان، ولا أخلوا بكريم عادتهم من التحلى بها والتزين بباهر رونقها”

وقد برز عدد من أبناء هذه الأسرة فى مجالات السياسة والأدب ونذكر من أبرزهم الإمام الفقيه سراج بن عبد الله بن سراج الذى ظلّت رواياته وعلومه تدرس فى المغرب والأندلس حتى ان الشيخ القاضى أبا الفضل بن عياض أخذ عنه وعن رواياته، وولاه الخليفة هشام المؤيد قضاء الجماعة. اما ولده الوزير الفقيه أبو مروان عبد الملك بن سراج فكان من ألمع وأشهر أفراد الأسرة والذى وصفه ابن بسام بإنه كان “فذ العصر وعلم الفخر وبقية حسنات الدهر” ووصفه ابن الخطيب فى الإحاطة “بإنه كان ثقة صدوقا” وعندما توفى الوزير أبو مروان عبد الملك بن سراج صلى عليه ولده الوزير الفقيه ابو الحسين سراج الذى وصفه ابن بسام “بإنه كان تاليه فى الفضل وكرم الخلال”. وأثارت وفاته الحزن فى أوساط العامة والخاصة على السواء ورثاه عدد كبير من شعراء الأندلس.

كما برز من بنى سراج عدد من الشعراء مثل ابو عبد الله بن السراج

مرت مملكة غرناطة الإسلامية فى الفترة ما بين 760 – 763 هـ 1359 – 1362 م بأزمات سياسية واقتصادية عنيفة جعلتها عرضة لإنقلابات متعددة ويمكنكم الرجوع الى تاريخ هذه الإنقلابات فى هذه الفترة لهذا المقال من هنا

فى هذه الفترة رفض الكثير من الاعيان التعاون مع السلطان أبى سعيد البرميخو مغتصب السلطة ففر بعضهم إلى المغرب وفر الزعيم ابراهيم السراج الى بلاط ملك قشتالة.

وفى عام 820 هـ 1417 م توفى السلطان يوسف الثالث بعد حكم دام نحو تسعة أعوام فتوالى على عرش غرناطة بعده عدد من السلاطين الضعاف أولهم ولده أبو عبد الله محمد الملقّب بالأيسر، والذى كان صارمًا قاسيًا، وعندئذ بدأ نجم بنى سراج السياسى يتألق على المسرح السياسي فى غرناطة، فالسلطان الأيسر قد اتخذ من بين أبناء هذه الأسرة وزيرًا له هو يوسف بن سراج الذى أصبح له دورًا كبيرًا، فقد كان الوسيط الوحيد بين السلطان وشعبه وكبار رجال الدولة وكان يعمل ببراعة تامة على تلطيف حدة السخط العام على سلطانه الأيسر.

ورغم هذه المحاولات إلا انها لم تثمر فى تخفيف سخط الأهلى على الأيسر بل على الضد من ذلك فقد قامت ثورة عليه ولم يلبث ان خلع من السلطنة وعاد واسترجعها أكثر من مرة فى المرة الأولى استغل أهالى غرناطة فرصة غزو القشتاليين لوادى آش فقاموا بثورة عارمة وانتهت بخلع الأيسر ومبايعة الأمير محمد بن محمد بن يوسف الثالث الملقّب بالزغير، فرحل الأيسر مع اهله إلى تونس ونزل ضيفًا على السلطان أبى فارس الحفصى.

وفشل السلطان الزغير فى القضاء على الدسائس والفتن المستمرة رغم فروسيته وقدراته العالية وكان السبب وراء فشله هذا يرجع إلى بنى سراج ألد خصومه وأكثر الموالين لسلطان غرناطة المخلوع الايسر، لذلك قام الزغير بمطاردة هذه الأسرة العريقة وعمل على سحقهم والقضاء على نفوذهم، مما دفع الوزير يوسف بن سراج إلى مغادرة غرناطة مع عدد كبير من أهله هربًا من بطش الزغير فرحلوا إلى مرسية، ومن هناك انتقلوا إلى إشبيلية وكان يتقدمهم يوسف بن سراج الذى لاذ بحماية خوان الثانى ملك قشتالة الذى ابدى الترحيب بهم واتفق مع يوسف بن سراج بالعمل معه لإعادة السلطان الأيسر، واستدعى بنو سراج الأيسر من تونس والذى عاد إلى الأندلس مزودًا بعدد من الفرسان الحفصيين وتوجه إلى المرية وتمكن بمساعدة بنى سراج من استعادة عرشه وقبض على الزغير وتخلص منه.

وهكذا سيطر الأيسر على غرناطة فى سنة 833 هـ 1430 م واعاد يوسف بن سراج إلى الوزارة وطلب الهدنة مع ملك قشتالة الذى اشترط على الأيسر دفع جزية باهظة والإعتراف بطاعة قشتالة، فرفض الأيسر تلك الشروط مما ادى إلى هجوم القشتالين على ثغور غرناطة، مما اوقع البلاد فى محنة جديدة وافسح المجال لإنقسام المملكة، وكان خصوم الأيسر قد التفوا حول أمير ينتمى لبيت الملك عن طريق أمه هو الأمير ابو الحجاج يوسف ابن المول، والذى تمتع بتأييد من الملك القشتالى خوان الثانى لانه تعهد له ان يحكم غرناطة بإسمه، وان يدخل فى طاعته، وتعهد بحضور مجلس الكورتس “الأعيان” معترفًا بولائه لملك قشتالة، وان يحارب معه ضد اعدائه، وان يؤدى له جزية سنوية لو ساعده فى تولى السلطنة، وتمت المعاهدة ولم يتردد ابى الحجاج يوسف فى السير إلى غرناطة تسانده قوات قشتالة وتمكن فى الإستيلاء على عدة قواعد. وفى غرناطة دارت معركة تصدى له فيها يوسف بن سراج الذى لقى مصرعه فيها وهرب الأيسر إلى مالقة وتولى يوسف ابن المول عرش السلطنة وبعد اقل من سنة توفى واتفقت الأحزاب فى غرناطة على رد الأيسر مرة أخرى وعاد إلى عرش غرناطة وقام بتعيين وزير جديد من بنى سراج وهو ابن عبد البر بن سراج.

اغار القشتاليون على أراضى غرناطة أكثر من مرة وانتصر عليهم الأيسر مع وزيره ابن عبد البر فى وادى آش وفى لبلة فجدد القشتاليون غاراتهم على مقربة من مكان يسمى كازورلا والتقى الجيشان بقيادة الوزير عبد البر وانتهت المعركة بإنتصار المسلمين ولكن سقط ابن عبد البر بن سراج شهيدًا فحزنت غرناطة لفقده لحسن بلائه فى الحرب ولما اتصف به من فروسية وشجاعة.

واستمرت الإضطرابات مرة اخرى فى مملكة غرناطة ونشب الصراع بين أمراء وسلاطين بنى نصر وانتهت هذه الصراعات بتولى السلطان سعد بن محمد الحكم الذى حاول التخلص من بنى سراج الذين كانوا يناصبونه العداء فعمد إلى قتل بعض زعمائهم ومن بينهم وزيره مفرج بن سراج وهرب ولداه محمد وعلى الى مالقة ثم اتصلوا بأبى الحسن إبن السلطان سعد وحرضوه على الثورة على أبيه وتولى ابى الحسن عرش غرناطة ونفى والده إلى المرية حيث توفى هناك.

سادت فى عصر أبى الحسن فوضى نتيجة صراع بنى سراج وبنى الثغرى وبنى أضحى للظفر بالوزارة وامتدت هذه الصراعات بين أبى الحسن واخيه ابى عبد الله الزغل. كما اشتعلت المنافسة بين زوجتيه عائشة الحرة وثريا كل منهما تريد ولاية العهد لإبنها ونجحت ثريا فى إقناع السلطان ابى الحسن بإعتقال عائشة الحرة وولديها فى برج قمارش.

استطاعت عائشة الحرة الإتصال بأنصارها وعلى رأسهم بنى سراج أقوى الأسر فى غرناطة لتخليصها من الأسر، ودبّروا لها وسيلة للفرار من القصر هى وابنيها ابو عبد الله محمد الصغير وأبو الحجاج يوسف، ولم يغفر السلطان أبو الحسن هذا الموقف لبنى سراج ابدًا وكان ذلك الموقف الدافع الأساسى وراء نكبة رؤساء هذه الأسرة والذين انتهى أمرهم بالقتل فى احدى قاعات قصر الحمراء والتى تسمى قاعة بنى سراج. كانت هذه النكبة من البشاعة والقسوة بحيث أصبحت مجالًا خصبًا لروايات وأقاصيص شعبية فيما سيأتى ذكره لاحقًا

استطاع أبى عبد الله الصغير انتزاع الحكم من أبيه أبا الحسن بمساعدة من تبقى من بنى سراج وتولى عرش غرناطة إلى ان تم تسليمها الى الملكين الكاثوليكيين فرناندو ايزابيلا سنة 897 هـ 1492 م

وبعد سقوط غرناطة وفى عام 975هـ 1567 م أُصدرت قوانين جديدة تحظر على الموريسكيات ارتداء ملابسهن الحريرة وازيائهن الاسلامية، وبإلزام الأطفال بتعلم الإسبانية والدين المسيحى، ومنع استخدام اللغة العربية، ومنع المسلمين من استخدام الحمامات وما الى ذلك من قرارت ظالمة عنصرية، فظهر شخص يعمل صباغاً ويدعى فرج بن فرج من بنى سراج ساءه ان يعامل الموريسكيون بمثل هذه القسوة، فقام بالإتصال بالموريسكين فى البشرات، وفى السواحل، واستطاع الاتصال بالعثمانين، وحدد يوم 14 ابريل 1568م لاشعال نار الثورة ولكن أحد الوشاة ابلغ السلطات بالخطة مما ترتب عليه التوقف عن تنفيذها وبعد عدة اشهر اشتعلت الثورة وتقدم فرج بن فرج بمن معه عند أسوار غرناطة وهم يكبرون ويهتفون بعبارة “لا اله الا الله” وكان من ضمن أهدافهم الهجوم على محاكم التفتيش وتخليص من فيها من المسلمين ومحاربة النصارى، ورغم ان الثورة كانت قد اشتعلت فى حى البيّازين إلى انهم ومع كثرة المهاجمين اغلقوا عليهم أبواب مما دعى فرج بن فرج بن سراج ومن معه للفرار إلى البشرات وقرروا اختيار زعيم يكون رمزًا لملكهم القديم فإختارو محمد ابن امية أو دون فرناندو دى فالور الذى ترجع أصوله لبنى أمية وكان لمحمد بن أمية مهابة كبيرة فى نفوس الموريسكيين والقشتاليين النصارى على السواء، فقد اختير المستشار الرابع والعشرين لبلدية غرناطة ولكن بالرغم من ذلك كان محل شك وريبة من قبل السلطات القشتالية لا سيما فى الفترة التى سبقت الثورة حتى أنهم اودعوه السجن والذى ظل به حتى قام فرج بن فرج بثورته فى غرناطة واستطاع مع خدام ابن امية من تخليصه من السجن ثم ذهب ابن أمية إلى أقاربه فى وادى لكرين واجمعوا على مبايعته ملكًا.

كان اختيار محمد بن أمية ملكًا سببًا لشعور فرج بن فرج بالاستياء لانه كان يعتبر نفسه أكثر خبرة فى مجال الحرب والقتال فضلًا عن انه كان أول من دعى الموريسكيين لمحاربة الاسبان ورأى ابن امية أن يكسبه ويتألفه ويتخذه حليفاً فاختاره كبير الوزراء وقامت ثورة البشرات العظيمة، ولكن انتهت كل جهود المسلمين بالفشل وانتهت الثورة واختفى ذكر فرج بن فرج بعد ان عزله ابن امية من قيادة الجيش بسبب انه فى احدى المعارك قتل عدد من النساء والأطفال مما اغضب ابن امية عليه.

فى عام 1965 وقع زلزال جنوب اسبانيا واثر على المناطق الواقعة بجوار السور الرئيسى لقصر الحمراء وبين باب العجلات وبرج الرؤوس كشف هذا الزلزال عن وجود آثار عديدة لقصر بنى سراج حيث انه حتى نهاية القرن الثامن عشر لم يكن ظاهرًا منه إلا بضعة جدران غير كاملة

بنى سراج فى الأساطير والقصص الشعبية

يذكر الأمير شكيب أرسلان بأن الأحداث السياسية التى عاشتها أسرة بنى سراج كانت مجالًا خصبًا لبعض الأغانى الشعبية التى تشير إلى نكبة بنى سراج فى عصر ابى الحسن.

كتبت العديد من الروايات عن بنى سراج مثل رواية ابن سراج وحروب أهلية وآخر بنى سراج وفتوح الاسبان لغرناطة.

كما كانت هذه الاحداث موضوعًا لروايات وأساطير شعبية حرّفت الحقيقة التاريخية لنكبة بنى سراج وحولتها إلى اسباب عاطفية، فنسجوا القصص حول شخصية سموها محمد بن سراج والذى هام عشقاً بأميرة من الأسرة المالكة اسمها الفاهمة، مما أثار عليه غضب السلطان، فقرر سحق الأسرة كلها ودبّر مؤامرة لقتلهم، وكانت خطته تقضى بأن يدعو أكابرهم لحضور حفل فى القاعة المواجهة لبهو السباع بقصر الحمراء وكلما دخل فرد من أفراد الأسرة إلى القاعة يبادر السياف بذبحه على حافة الحوض الرخامى الذى يتوسط هذه القاعة، حتى قتل جلة فرسان وزعماء بنى سراج وسميت هذه القاعة فيما بعد قاعة بنى سراج. وتقول الأسطورة أنه ما تزال توجد آثار بقع دامية داكنة فى قاع الحوض الذى سالت فيه دماء بنى سراج وأنها لم تمحى قط، وتضيف الأسطورة على ذلك بإنه لا تزال تسمع فى تلك القاعة فى بعض الليالى أنات وقرقعة سلاح، وان كثيرًا من حراس قصر الحمراء لمحوا جنودًا مسلمين فى ألبستهم العربية يقطعون بهو السباع جيئة وذهابًا.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بتصرف من كتاب بحوث مشرقية ومغربية فى التاريخ والحضارة الإسلامية. دكتورة سحر السيد عبد العزيز سالم

المواضيع ذات الصلة

تعليقات

  1. […] في الأدب، حتى يكون فارسًا نبيلًا، مثلما ظهر في رواية «ابن سراج» التي لم يُعرف كاتبها، وتحكي عن الشريف المسلم ابن سراج […]