“انبعاث الإسلام في إسبانيا”.. دراسات مهمة حول الإسلام في الدولة الإسبانية

“انبعاث الإسلام في إسبانيا”.. دراسات مهمة حول الإسلام في الدولة الإسبانية

“انبعاث الإسلام في إسبانيا”.. دراسات مهمة حول الإسلام في الدولة الإسبانية

تقديم : ديالا الرفاعي

بعد سقوط غرناطة ونقض معاهدة السلام ومن ثم إصدار الملك فيليب الثاني قراراً بطرد الموريسكين من الأندلس، بدأت الهوية الاسلامية بالتراجع وغابت بشكل ملحوظ حتى عادت الديمقراطية إلى إسبانيا بعد انتهاء عهد الديكتاتور فرانكو وصدور القانون الخاص بحرية الأديان في إسبانيا عام 1978، فبدأت حينها الحركات الإسلامية بالظهور تدريجياً وبدأت الهوية والملامح الإسلامية تظهر على التركيبة الديموغرافية والاجتماعية في المملكة الإسبانية.

ومن هنا جاءت أهمية قراءة كتاب “انبعاث الإسلام في إسبانيا” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث، إذ يعد هذا الكتاب واحداً من أبرز الدراسات الحديثة المترجمة للعربية والتي قام بإعدادها مجموعة من الباحثين الإسبان المسلمين ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر: المؤرخة الإسبانية أدا ساننشيز، عبد الصمد رومان،هاشم كابريرا وغيرهم ليقدموا رؤيتهم حول وضع الإسلام حالياً في شبه الجزيرة الإيبيرية.

تتحدث الدراسات التي يضمها الكتاب باقتضاب عن معاهدة السلام التي نُقضت وكيف غيرت مجرى التاريخ الأندلسي في ذلك الوقت، وما عاناه الموريسكيون بعد ذلك من اضطهاد ديني ومدني، وعن ابتكارهم للغة ال”الأخميادو” ليحافظوا على تراثهم الاجتماعي والديني. وعن حادثة حرق الكتب وتأثيرها في قراءة التاريخ الأندلسي حالياً.

تتطرق بعض الدراسات إلى مناقشة قلة الدراسات العربية المتعلقة بالتاريخ الأندلسي، وقلة وجود الخبراء في هذا المجال إضافة إلى قلة الاهتمام بالدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الإسبانية. وتناقش أهمية دور الشباب في ردم الهوة بين الإسباني المسيحي والإسباني المسلم، وتتطرق إلى الحديث عن حال الشباب الإسباني المسلم وما يعيق اندماجهم في المجتمع سياسياً ومجتمعياً، وعن اصطدام المجتمع معهم عند ممارستهم لشعائرهم الدينية ومن ثم يدينهم بأنهم يريدون الانسلاخ والابتعاد عن منظومة الدولة المجتمعية.

يقدم الكتاب رؤية واسعة للقارئ حول الجهود التي بذلها المسلم الإسباني الحديث أو المنحدر من أصول أندلسية حتى حصل على حقوقه الدينية، بعد “الاحتكار الاعتناقي للكنيسية الكاثولوكية”، وعن أنشطته الدينية والثقافية والجمعيات الرائدة في هذا المجال وعلى رأسها “جمعية العودة إلى الإسلام”، كما يناقش أهمية دور المرأة الإسبانية المسلمية في كسر صورتها النمطية في المجتمع الأوروبي ككل والإسباني على وجه الخصوص.

يعرض الكتاب وفي دراساته المتعددة الصعوبات التي واجهت المسلمين الإسبان، واصطدامهم مع الحكومة عندما ترأسها اليمنيين، وعلاقتهم بالمجتمع الإسباني والحكومة الإسبانية بعد أحداث 11 مارس/ اذار في محظة أتوشا في مدريد، وما أحدثته تلك التفجيرات من تأثير سلبي على المجتمع المسلم في ذلك الوقت، وعن التحديات التي تواجههم في حياتهم اليومية من توفير الطعام الحلال ومدى جودته ووفرته وكيف قطع المجتمع المسلم شوطاً كبيراً حتى وصل إلى تأمين هذه الضرورات، وعن صعوبة بناء المساجد وأهم المبادرات التعزيزية عن الإسلام في الأندلس والتي تقوم بها مشاريع الجمعية الإسلامية في غرناطة، والمساجد التي بنتها هناك وأهمها المسجد الأكبر في غرناطة، الذي يعد رمز الوجود الإسلامي في إسبانيا.

كما ويقدم الباحثون عرضاً لواقع الإسلاموفوبيا في إسبانيا والأندلس تحديداً. وأفردت إحدى دراسات الكتاب واجداً من فصولها للحديث عن الاستعراب والاستشراق، بصفة أن المشرقيين الأوروبيين ينظرون إلى الأندلس على أنها “شرق داخلي”، فتأتي هذه الدراسة للحديث عن تأثير الأندلس على الجوانب الثقافية والعلمية في أوروبا وتطور الدراسات الشرقية فيها، كون التاريخ الأندلسي جزء مهم ومضيء في تاريخ أوروبا كما هو في التاريخ العربي. فتعرّج الدراسة على ذكر مجموعة من المراكز والهيئات الثقافية المهتمة بالابقاء على الدراسات العربية والإسلامية حيّة في إسبانيا وأوروبا كالمعهد المصري للدراسات الإسلامية، والمعهد الإسباني العربي للثقافة والبيت العربي في مدريد ومؤسسة ابن طفيل للدراسات العربية، ومؤسسة ابن الخطيب للدراسات الثقافية والتعاون في غرناطة.

وتقدم واحدة من أجمل الدراسات في الكتاب مقارنة بين أوجه الاختلاف والاتفاق بين الإسلام في إسبانيا وأمريكا اللاتينية من حيث التاريخ والانتشار والحقوق الدينية والتصوف والانخراط الاجتماعي السياسي، وتوضح بعض عوامل وصول الإسلام إلى أمريكا اللاتينية والهجرة الموريسكية الأندلسية والشامية من سوريا وفلسطين والهجرة من شبه القارة الهندية.

من خلال هذا الدراسات يتمكن المهتم بواقع الإسلام في إسبانيا إلى التعرف على تولّد الصوفية في إسبانيا، وعن اتباع الجالية الإسلامية في إسبانيا للمذهب المالكي، وعن الصوفيين الأوائل في إسبانيا وعن ظهور حركة المرابطين العالمية وتطورها حتى وصلت إلى ما يدعى باللجنة الإسلامية في إسبانيا ومقرها غرناطة، وعن نشاطاتها من ترجمة للقران وكتاب الموطأ وصحيح بخاري، وتأليف كتب دينية، وبناء المسجد الكبير في غرناطة عام 2003.

يضم هذا الكتاب في فصوله معلومات جديدة وحقائق مهمة عن واقع الإسلام في الدولة الإسبانية، ويقدم رؤية المسلم الإسباني الذي يعيش في كنف الدولة المدنية ويود الانخراط فيها متمسكاً بتاريخه ومعتقده دون أن ينسلخ عن المجتمع أو ينأى بنفسه إلى الهامش.

المواضيع ذات الصلة