الوزير القائد عبد الواحد الإسكندرانى

الوزير القائد عبد الواحد الإسكندرانى

يعتبر الوزير القائد عبد الواحد بن يزيد الإسكندرانى ابرز شخصية سكندرية دخلت الأندلس فى عصر الدولة الأموية، فقد استطاع خلال فترة وجيزة أن يرتقى إلى أعلى المناصب الكبرى فى قرطبة حاضرة الأمويين فى الأندلس.

ويرجع الفضل إلى المؤرخ ابن حيّان القرطبى فى تزويدنا بمعلومات قيّمة حول شخصية عبد الواحد الإسكندرانى، فيذكر أنه قد وفد على قرطبة فى أوائل عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، وكان محدثًا متظرفًا يميل إلى الأدب، ويشدو شيئًا من الغناء، فاتصل بالحاجب عيسى بن شهيد الذى توسم فيه النجابة والذكاء، فنصحه بإن يمسك عن الغناء ويكتفى بالأدب، فامتثل الإسكندرانى لنصح الحاجب الذى وثق به، وحظى لديه بمكانة رفيعة، وأوصله بدوره إلى الأمير عبد الرحمن الأوسط الذى اعجب به وأدنى منزلته، وجعله من خاصته، ثم أسند له خطة صاحب المدينة بالحاضرة قرطبة، ثم رقاه بعد ذلك إلى الوزارة والقيادة.

وقد ساهم الوزير القائد عبد الواحد الإسكندرانى فى اخماد بعض الفتن والثورات الداخلية التى اندلعت فى عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ومن ذلك قيادته للحملة الأموية الموجهة إلى طليطلة فى سنة 221هـ 836م لإخماد ثورة أهلها الذين شقوا عصا الطاعة على الحكومة المركزية فى قرطبة، فبعث إليهم الأمير عبد الرحمن بقوة عسكرية من قلعة رباح جنوبى طليطلة حاصرت المدينة وقطعت عنها الميرة، مما أرهق أهلها، وعقب ذلك زحف إليهم القائد الإسكندرانى بجيشه، وتمكن من اقتحام أسوار طليطلة، وفتحها عنوة فى شهر رجب سنة 222هـ 837م ، ثم قام بتنظيم أمورها، وأمر بتعمير وتحصين القصبة “القلعة” التى أسسها عمروس الوشق، فى عهد الأمير الحكم الربضى عند باب الجسر، واعاد بذلك الهدوء والإستقرار إلى تلك المدينة التى طالما ازعجت الأمويين بثوراتها المستمرة.

ولم يقتصر دور القائد عبد الواحد الإسكندرانى على اخماد الثورات الداخلية، بل شارك أيضًا فى الجهاد ضد نصارى جليقية ونصارى قطالونية وابلى فى ذلك بلاء حسنًا، ففى عام 226هـ 840م ارسل الأمير عبد الرحمن الأوسط صائفة إلى مملكة جليقية على رأسها ابنه المطرف وبصحبته القائد عبد الواحد الذى انزل الهزيمة بنصارى جليقية، وعاد ظافرًا إلى قرطبة.

وفى عام 227هـ 841م امر الأمير عبد الرحمن بإنفاذ حملة عسكرية إلى قطالونية واسند قيادتها إلى عبد الواحد الإسكندرانى الذى توغل داخل الأراضى القطالونية، ودمّر بعض حصونهم بإقليم شرطانية على حدود بلاد الغال “فرنسا” ووصل القائد عبد الواحد فى زحفه حتى حدود أربونة جنوب فرنسا.

كذلك ألمحت المصادر الأندلسية إلى جهود القائد عبد الواحد أثناء غارة النورمانديين على سواحل الأندلس الغربية فى عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط ففى سنة 230هـ 844م تقدمت مراكب النورمانديين من ساحل أشبونة وناشبهم المسلمون القتال، ثم احتلوا جزيرة قبطيل قرب إشبيلية وأقاموا بها ثلاث أيام، اتجهوا بعدها إلى قرية قورة، ودارت هناك معركة بينهم وبين المسلمين بحصن قورة اسفرت عن هزيمة المسلمين بالحصن، ثم دخل النورمانديون بلدة طلياطة جنوب اشبيلية، والتى لم يستطيع أهلها الصمود، وقُتل الكثير منهم، ودخلوا فى إثر ذلك الحاضرة إشبيلية، التى عاثوا فيها نهبًا وقتلًا وتخريبًا، واحرقوا أسقف جامع إشبيلية، فاستنفر الأمير عبد الرحمن المسلمين للجهاد، فخرج من قرطبة جيشًا كبيرًا على رأسه الحاجب عيسى بن شهيد وكبار القادة أمثال عبد الواحد الإسكندرانى، وابن كليب، وابن رستم، ودارت المعركة بين الطرفين ثبت فيها المسلمون وانزلوا الهزيمة بالنورمانديين الذين فروا إلى مراكبهم، ودارت معركة أخرى فى طلياطة هزم فيها النورمانديون وقتل منهم نحو الخمسمائة، من بينهم قائد اسطولهم، كما أُحرق من مراكبهم ثلاثون مركبًا، واضطروا عقب ذلك الإنسحاب إلى لبلة، ومنها توجهوا إلى أشبونة حيث انقطع خبرهم.

وبعد نجاح المسلمين فى صد تلك الغارة النورماندية على سواحل الأندلس بدأ الأمير عبد الرحمن يتفرغ لمواصلة الجهاد ضد النصارى فى الشمال فبعث بحملة فى سنة 234هـ 848م على رأسها ابنه المنذر وشاركه فى القيادة الوزير عبد الواحد، ويذكر ابن الأثير أن أهداف هذه الحملة كان مهاجمة منطقة ألبة فى الشمال وردع سكانها ودرء خطرهم عن الثغور الأندلسية المتاخمة لهم.

توفى الوزير عبد الواحد الإسكندرانى فى سنة 237هـ 851م بعد ثلاث سنوات من الحملة الأخيرة مسجلًا ببطولاته واسهاماته العسكرية صفحات مشرقة فى التاريخ الأندلسى.

لم تزودنا المصادر العربية بأية معلومات عن ذرية هذا القائد سوى اشارة موجزة أوردها ابن عذارى المراكشى ألمح فيها إلى أحد أحفاده ويدعى عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد الإسكندرانى الذى توفى فى أوائل عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر فى سنة 309هـ ومن المرجّح أنه كان من ذوى النباهة فى الحاضرة قرطبة ولعله من الشخصيات المرموقة والمقربة من الخليفة لأن ابن عذارى لا يذكر فى كتابه سوى وفيات ذوى الشأن من الوزراء والكتاب والقادة والعلماء فى عصر بنى أمية.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. كمال السيد أبو مصطفى. شخصيات سكندرية فى الأندلس فيما بين القرن الثالث والسادس للهجرة

المواضيع ذات الصلة