الموريسكيون فى الإسكندرية

الموريسكيون فى الإسكندرية

كانت الثغور المصرية وخاصة مدينة الإسكندرية ورشيد ودمياط من المراكز الرئيسية لإستقرار الموريسكيون، ومنها انساحوا إلى داخل المدن الكبرى مثل القاهرة والمنصورة وكفر الشيخ، واندمجوا وتعايشوا مع أبناء المجتمع المصري.

فضّل الموريسكيون الإقامة بصفة خاصة بثغر الإسكندرية لإعتقادهم أنها ثغر رباط، مدفوعين فى ذلك برغبة صادقة فى مواجهة أخطار العدو البحري، وحث الناس على الجهاد، من أجل إسترجاع فردوسهم المفقود.

وبعد أن استقر المهجّرون الأندلسيون فى مصر بدأوا يمارسون الأنشطة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية التي كانوا يمارسونها فى موطنهم الأصلي: الأندلس، واندمجوا في المجتمع المصرى فى القرنين السادس عشر والسابع عشر، وبدأ تأثيرهم يظهر على وجه الحياة فى مصر إقتصاديًا وإجتماعيًا وثقافيًا، ووثائق المحاكم الشرعية المصرية تحتوى على كم ضخم من المواد المتعلقة بالمهجرين الأندلسيين مصورة أوضاعهم ونشاطاتهم المختلفة التى كانوا يمارسونها.

هناك بعض الملاحظات فى هذه السجلات وهي أن الموريسكيون حرصوا على ذكر نسبتهم للأندلس بأسمائهم فتجد بعد كل الإسم عادة ما يقرن بلقب الأندلسي واذا كان أحدهم استقر به المقام قبل وصوله مصر فى أحد البلدان المغربية فإنه يحرص على أن يُقرن اسمه بلقب المغربي الأندلسي.

وعن كيفية وصول الموريسكيون إلى الإسكندرية فتشير الوثائق أن الكثير من هؤلاء المهجرين وقعوا فى الأسر قبل وصولهم إلى السواحل المغربية، وعملوا على إفتداء أنفسهم فى جزيرة جربة التونسية بالذات مقابل مبلغ استدانوه من بعض المغاربة على أساس تسديده لهم فى مدينة الإسكندرية التى كانوا يتوجهون إليها، أمّا البعض الآخر فقد استقر بهم المقام أولًا فى المدن المغربية، ومنها انتقلوا إلى الإسكندرية والمُدن المصرية، لممارسة نشاطاتهم المختلفة حيث وجدوا فيها المجال الرحب لممارسة أعمالهم التى كانوا يمارسونها فى الأندلس.

وعن طريق هذه الوثائق ندرك أن هؤلاء المهجرين لم يكونوا يعيشون في عزلة عن أبناء البلد من المصريين أو أبناء الجاليات العربية الأخرى التى كانت تعيش فى الإسكندرية بخاصة الجالية المغربية، فكانت تحدث حالات كثيرة من المصاهرة فيما بينهم فنجد على سبيل المثال أن عبد الرحمن بن أحمد المغربى الطرابلسي تزوج من فاطمة ابنة محمد عمر المغربى الأندلسي وكان لهذه الزوجة الأندلسية الأصل إشتراطات قاسية على زوجها موضّحة فى عقد الزواج، وربما كان لوضعية هؤلاء المهجّرين أثر فى تشددهم عند الزواج من أبناء أو بنات الجاليات الأخرى ضمانًا لمستقبلهم وكذلك فى حالة محمد بن على المغربى الأندلسي الذى تزوج المصرية عائشة بنت عبد الله وكان لها أيضاً بعض الإشتراطات على زوجها.

أما عن المواد الخاصة بالأعمال التجارية والمهنية، ومختلف المعاملات الأخرى التى كان الموريسكيون يمارسونها سواء فيما بينهم أو بينهم وبين أبناء الجاليات الأخرى المستقرة بمصر، فنجد أن هذه الوثائق تلقي الضوء على أوضاع الموريسكيين داخل المجتمع المصري والمهن التى كانوا يشتغلون بها والتى توضح لنا الوضع الإقتصادى الذي أصبحوا عليه مثال الريّس على بن الحاج أو النصر المغربي الأندلسي الذى عمل فى النقل البحري ما بين اسكندرية وأفريكة “تونس” ذهابًا وإيابًا وكان العديد من الموريسكيون يملكون مراكب خاصة تستخدم فى النقل البحري كما عملوا بالتجارة وخاصة فى أنواع الأحرمة الصوفية المغربية والزنجبيل والعسل كما عملوا بالعطارة وتجارة التوابل.

كما أن النصوص تدلنا على الحرف التى كانوا يعملون بها من خلال الألقاب المهنية التى كانت تطلق عليهم مثل “معلّم”، “أسطى” “صبي” فالأسطى إبراهيم الأندلسي كان يعمل بالنجارة والأسطى محمد بن قاسم الاندلسي الذى عمل بمهنة الحياكة كما عملوا بالخبازة والحلاقة وصناعة الملابس.

أما الوثائق الخاصة بشراء أو بيع أو إمتلاك العقارات وتأجيرها فتُلقي الضوء على جانب آخر من جوانب أوضاع الموريسكين الإقتصادية وكيف ساهموا فى بناء الإقتصاد المصري، مثل على بن محمد الأندلسي الذى كان يمتلك مركب ضخم يسمى غليون كما كان البعض يمتلك الأراضى الزراعية ويقوم بتأجيرها للمزارعين والبعض كان يمتلك بعض دور السكن ويقوم بتأجيرها حتى أن أسماء بعض الزوايا والحارات كانت تنسب إليهم مثل زاوية المحرس.

ومن هذا نستطيع أن نلخّص تأثير الموريسكيون فى المجتمع المصري من ثلاث نواحي، أولًا إجتماعيا؛ فنجد أنهم اندمجوا مع المجتمع المصري من خلال المصاهرة والنسب كما اندمجوا معهم فى المهن المختلفة عن طريق المشاركة.

ثانيًا اقتصاديًا؛ فقد وّظف الأندلسيون المهّجرون رؤوس أموالهم فى مختلف المجالات الإقتصادية، ولعبوا دوراً هاماً فى الحياة الإقتصادية في مصر مما قوى روابطهم بهذا المجتمع.

ثالثًا ثقافيًا؛ وهو واقع ملموس لا يزال قائمًا حتى اليوم، فالثقافة الصوفية التى انتشرت فى الإسكندرية كانت على يد متصوفة أندلسيين مثل الطرطوشى وأبى العباس المرسى والشاطبى الذين عاشوا ودفنوا فى الإسكندرية ومقامتهم ومساجدهم موجودة فى المدينة إلى اليوم. (1)

واختُتِم المقالة بذكر بعض أسماء العائلات الأندلسية التى استقرت بمدينة الإسكندرية والتى أوردها الدكتور حسام محمد عبد المعطى في كتابه: “العائلة والثروة. البيوت التجارية المغربية فى مصر العثمانية” وهي: عائلات الرويعي، الطرودي، الشاطبي، البرجي، ابن الكاتب، الغروش، جبريل، المرسي، مراسي، المسلاتي، القطري، مرسة. (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- اقتباسات بتصرف من دراسة بحثية للدكتور عبد الرحمن عبد الرحيم، بعنوان المهجّرون الأندلسيون “الموريسكيون” فى مصر من خلال وثائق المحاكم الشرعية فى العصر العثماني.

2- الدكتور حسام محمد عبد المعطي، كتاب العائلة والثروة. البيوت التجارية المغربية في مصر العثمانية.

المواضيع ذات الصلة