المنصور – تراجيديا للشاعر هاينرش هاينه

المنصور – تراجيديا للشاعر هاينرش هاينه

هاينرش هاينه، كاتب وشاعر غنائي ألماني كبير، ينتمي لشُعراء حِقبة ألمانيا الفتاه، اشترك أدباء عَصره في سِمة واحدة، وهي نَقدهم الحادّ للأوضاع الإجتماعية والسياسية في ألمانيا، ورغبتهم في الإصلاح، وُلد مِن أبوين يَهوديين بدسلدورف سنة 1797 م ، ودرس الحقوق، ولكنه هَجرها إلى الأدب، وذاع صِيته فيه سنة 1826 م ، حين ظهر كتابه ” صور مِن رحلات Reisebilder ” عن طوافِه ورحلاته في ألمانيا، إلا أنه كثيراً ما كان يَقطع وَصفه للطَبيعة والمناظر الطَبيعية، ليُقدم تَعليقاتٍ لاذعة ومُستهزئة عَن العَصر والمُعاصرين وأخلاقهم، وما لَبِث أن نَشر أحسن شِعره في ديوان سَمّاه ” كتاب الأغاني Buch der Lieder ” فقابلة الشعب الألماني بحماسة تفوق الوصف، وأُعيد طَباعته أكثر مِن مرة، حَتى في حياته، إعتنق هاينه المَسيحية سنة 1825 م ، لكنه كان في الحَقيقة مُتشككاً في كُل شيء، إباحياً كُل الإباحة، مُستهتراً كُل الإستهتار .

هاينرش هاينه سنة 1831 م ، بريشة الألماني موريتز دانيال أوبنهايم

هاينرش هاينه سنة 1831 م ، بريشة الألماني موريتز دانيال أوبنهايم

في سنة 1831 م هَاجر هاينه إلى باريس فاستوطنها، وأشتُهر في أنديتها الأدبية، حتى تُوفي سنة 1856 م ، بعد أن أقعده الشَلل في أواخر حياته، وظل الألمان يُعدُونه مِن أكابر كُتابهم وشُعرائِهم، إلى أن كان الإنقلاب الأخير، حين نعى الهِتلريون عَليه أصله اليهودي، وأنقلبوا على ذِكراه وهَدموا ما أُقيم له في ألمانيا مِن نُصب وتماثيل .

امتاز هاينه بأسلوبه التهكُمي الّلاذع، ووصفه الدقيق المُشرق، هاجم بتعليقاته الساخِرة كُل شيء، ولم يَستثن مِن إنتقاداته الحادة سوى البُسطاء فقط، بيد ان أهم ما خَلد ذِكراه حتى الاّن، وسوف يُخلدها طويلاً، إنما هي أغانيه في ديوانه الذي سَننقل مِنه للعربية القصيدة التالية، وبطلها عبد الله بن المنصور، مِن سادة الأندلُس الذين لم يَقبلوا التخلي عن دينهم بعد سقُوط البلاد، فأختاروا الهِجرة إلى المغرب، ثُم يَعود المنصور كي يَلتقي إبنة عَمه وحَبيبته سَليمة، التي تَحولت إلى المَسيحية – هذه القصيدة أُعجب بها الألمان كثيراً، على الرُغم مِن تعريضه فيها بالمَسيحية – يقول :

في الكَنيسة الكبيرة بقُرطبة تقف ثلثمائة وألف مِن الأعمدة الشاهِقة، تحمل القُبة العظيمة الضَخمة، وعلى الأعمدة والقُبة والجُدران تَجري وتَنحدر في كُل اتجاه اّيات القُراّن العَربية، في حُروف مُشَبكة مُزهرة مُزخرفة .

قديماً بَنى مُلوك العَرب هذا البيت تَمجيداً لذِكر الله، بَيد أن أشياء كثيرة قد تَغيرت في هذا الدَهر ذي الأحداث المُظلمة، فعَلى المَنارة حَيثُ كان المُؤذن يَدعو الناس إلى الصَّلاة، تُرسل الآن أجراس المَسيحية رَنين دَقاتها الحَزينة، وعَلى المِنبر حيثُ كان المؤمنون يُرتلون كلام النبي، يَعرض الاّن القَسَاوِسة الصِغار الصُلع أعاجيب قُداسِهم المُضجِر .

وهُناك دوران والتفاف حَول نِساءٍ كالعرائس المَنقوشة بالألوان المُختلفة، وهُناك ثُغاء وتَبخر وأصوات نواقيس، بينما الشمُوع الغبية تُرسل أضواءها .

2

الهيكل المَسيحي الكبير الذي أمر بتشييده الإمبراطور كارلوس الخامس ” شارلكان ” سنة 1521 م

في الكنيسة الكبيرة بقُرطبة، يَقف المنصور بن عبد الله يتأمل الأعمدة في سكونْ ويُغمعم بالكلمات الاّتية : إيه أيتُها الأعمِدة القوية الجَبّارة التي ازَّينتْ ذات يوم تعظيماً لله، ها أنتِ ذي الاّن مُضطرة إلى أن تُقدمي للمَسيحية المَشْنوءة فروض الطاعة في ذِلّة وخنُوع، أنتِ على مَمر العُصور، تَرضين وتَقنعين وأنتِ تَحملين العبء بصَبر وإستسلام، فكان جَديراً بمن هو أضعف مِنكِ أن يَكون أسهل انقياداً، وأسرع خضُوعاً، ثُم يُطأطيء المنصور رأسه، ذا الوجه الطَلِق، فوق حُوض المَعمودية المُزخرف في الكنيسة الكبيرة بقُرطبة .

الجناح الأيسر بجامع قُرطبة، الذي يُعرف بجامع المنصور، نسبة إلى مُشيده الحاجب المنصور بن أبي عامر سنة 377 - 380 هـ / 977 - 990 م

الجناح الأيسر بجامع قُرطبة، يُعرف بجامع المنصور، نسبة إلى الزيادة التي أضافها الحاجب المنصور بن أبي عامر للجامع سنة 377 – 380 هـ / 977 – 990 م والبالغة 245 عموداً وقوساً

وهَرول المنصور مِن الكنيسة مُسرعاً، فامتَطَى جواداً عَتيقاً جَموحاً، انطلق به حتى صارت خُصُلات شَعره المُبللة، وريش قُبعَته تَهتز في الريح .

crفي الطريق الى القُليعَة، على ضِفاف الوادي الكبير، حيث تُزهر شُجيرات اللَّوْز، وشُجيرات البُرتقال ذات الرائحة الزَكية، وفي قصر القُليعة تَقطنُ ” كلارا دي ألفارِس “، ووالدها يُحارب في ” نافار” ، فهي تَتمتع بحُرية أوسع، وأَمَنَة أوفر، ويَسمع المَنصور على بُعد أصوات الدُفُوف والطبُول، ويَرى أضواء القصر تتلألأ بَين الأشجار والحقُول .

في قَصر القُليعة تَرقص اثنتا عَشر سَيدة، بثيابهِن المُزركشة، ويرقصُ اثنا عَشر فارساً، بحُلَلهم المُطَرزة، ولكن أجمَلهم رقصاً وسَمْتاً، هو المنصور بن عبد الله، كأن له جَناحين مِن البَهجة والسرُور، فهو يُرفرف في القاعة هُنا وهُناك، وهو يَعرف كيف يَقول لكل حَسناء عِبارات المَلق والغَزل والإطراء .

فيَدا ” إيزابلّا ” الجَميلتان يُقلبهما بشَغف، ثم يَقفز مُسرعا ويَجلس إزاء ” الفيرا ” فيُقبل عليها بوَجهِه الفَرح، وهو يسأل ” ليونورا ” ضاحكاً هل كانت تُحبه اليوم ؟ وهو يُريها الصَليب الذَهبي المُطرز في مِعطفه، وهو يؤكد لكل سَيدة أن صُورتها مَرسومة في قلبه، مُقسِماً ثلاثين مَرة في تِلك الليلة ” ما أنا مَسيحي ! ” .

في قصر القُليعة انتهى المرح، وسَاد السُكونْ، واختفى الرجال والنِساء، وأنطفأت الأنوار، وبَقيت دُونا ” كلارا ” والمنصور وَحيدين في القاعة الكُبرى، بينما كان اّخر مِصباح يبَعث بضَوئه في عُزلة وانفراد .

فعلى المِقعد الكبير تَجلس السَيدة، وعلى الكُرسي الخَشبي يَجلسُ الفارس، ورأسه الذي أضْناه التَعب، يَستريح على رُكبتي حَبيبته، وتَصبُ كلارا باحتراس وهي تُفكر عطراً مِن قنينة ذهبية فوق خُصُلات شعره الأسمر، فَيَقبضُ سَريعاً على شَفتيه، ويَحلمُ المَنصور كأنه يَقف ثانيةً مُطأطيء الرأس والجَبين .

في كَنيسة قُرطبة الكَبيرة يَسمع كثيراً مِن الأصوات العَميقة، وكل الأعمدة الشاهِقة يَسمعها تُتَمتم مُحتَجة مُتَضجرة، فهي لا تُريد أن تَحتمل أكثر مِن هذا، وهي تَميل وتَرتعد، وهي تتهدم مُزمجرة، ويَكْفهر الشَعب والقِسّيس، وتَهوى القُبة في صَوتٍ عظيم، وتولول اّلهة المَسيحية !

s

محراب جامع قرطبة من عمائر الخليفة الأموي الحكم المستنصر بالله سنة 354 هـ ، وهو أجمل عُنصر معماري بالجامع .

 


المراجع :

باربار باومان، وبريجيتا أوبرله | عُصور الأدب الألماني، تحولات الواقع ومسارات التجديد – ص 227 ، 228 ، 229 ، 235 & 236 .

نقلها للعربية الدكتور زكي مُحمد حسن | مجلة الرسالة للاّداب والعلوم والفنون بالقاهرة ، عدد 104 سنة 1935 م .

مُحمد عبد الله عنان | الاّثار الأندلُسية الباقية في إسبانيا والبُرتغال – ص 26 & 27 .

السيد عبد العزيز سالم | تاريخ المُسلمين واّثارهم في الأندلُس مِن الفتح العربي حتى سقوط الخلافة في قُرطبة – ص 394

حُسين مؤنس | رحلة الأندلُس حديث الفردوس الموعود – ص 95 ، 96 & 102 .

المواضيع ذات الصلة