العلاقات السياسية الأندلسية مع المشرق العباسي

العلاقات السياسية الأندلسية مع المشرق العباسي

قبل أن نتطرّق لفترة السقوط سنلقي أولاً نظرة على التداعيات التاريخية للعلاقات السياسية الأندلسية بمراكز القرار في المشرق، فقد تميّزت العلاقة السياسية بين الأندلس والمشرق بالقطيعة منذ سقوط الدولة الأموية بدمشق (وحتى ضمنياً إبّان الدولة الأموية بعد نشوب الصراع على ولايتها بين الفاتحين من قيسية ويمانية وبربر)، غير ان لجوء عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك والمعروف بصقر قريش (آخر الأمراء الأمويين الناجين) وإقامته دولة الأمويين بالأندلس (138ه 756م) لم يكن ليبارك من طرف الخلافة العباسية بالمشرق؛ وازدادت القطيعة عمقاً حينما وصل إدريس الأول (بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب) إلى المغرب فاراه بدوره من مذابح العباسيين ليقيم دولة الأدارسة (172 هـ) التي وطدت علاقاتها مع أمويي الأندلس. لم تكن المعادلة تكتمل إلا إذا أمّن العباسيون حدودهم الغربية فأعانوا ابراهيم بن الأغلب على إقامة دولة تابعة لهم بإفريقية (الأغالبة)، شكلت درعاً آمناً لخطر المد الأندلسي الأموي بالنسبة لهم وبسطت نفوذها على جزيرتي صقلية وسردينيا من ناحية البحر؛ القطيعة الأولى لم تمنع اندماج الشعوب بحكم الرابط الديني والعلمي والإقتصادي القوي الذي يجمعها بل تأثرت الحضارة الأندلسية بكل مظاهر الحياة البغدادية، ولكننا لن نفصّل في مقالاتنا هذه إلا بعض النقاط الخاصة بتأثير السياسة الخارجية الأندلسية في مستقبل الاستمرار.

لم تمر القطيعة السياسية مع العباسيين بفترارت هدنة دائماً، فقد تعرض أموييو الأندلس لمحاولات قلب النظام لمبايعة الخليفة العباسي ببغداد، كما وقعت فتن داخلية بسبب المد الفاطمي الشيعي على بلدان المغرب والكنانة و الشام، وهي تفاعلات منطقية بحكم التقارب، جعلت القوة الأموية موجهة لإخماد الوضع الداخلي بنفس قدر انشغالهم بتأمين الحدود الشمالية،وبلغت أوجها في عهد الناصر.

فعبد الرحمن الداخل ومنذ نجاحه في إقامة الإمارة الأموية في الأندلس لم يتلقب بلقب أمير المؤمنين، وإنما لقب بـ «الأمير»، وكذلك بـ «ابن الخلائف». وعلى هذا سار بنوه من بعده إلى أن جاء عبد الرحمن الناصر الذي استمر يتلقب بالأمير للفترة من 300 إلى 316 هـ. وبعد ذلك، لقب أمير المؤمنين، وأعلن الخلافة الأموية في الأندلس منافساً بذلك خلافة بني العباس في بغداد التي بدأ يأفل نجم قوتها الفعلية، كما ضم إليه المغرب بعد أن استرجعه من الفاطميين. وكمثال على بعض الإضطرابات التي مسّت أمويي الأندلس بتأثير من الوضع الخارجي نذكر:
– “حركة العلاء بن مغيث” الذي استقر بالجنوب الغربي للأندلس سنة 146هـ، وأخذ من الناس البيعة للمنصور العباسي، كاد بفعلها أن يقضي على حكم عبد الرحمن الداخل لولا أن تدّخل بصعوبة بالغة لصد الاضطراب وبعث برأس العلاء بعد قتله ورؤوس زعماء حركته برفقة كتاب المنصور ولوائه الأسود إلى بغداد.
– “حركة الصقلبي” سنة 161هـ حاول العباسيون في عهد المهدي، قلب موازين الحكم بالأندلس فجندوا عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالصقلبي(وكان من إفريقية) ليحذو حذو سابقه في محاولة ضم بيعة الأندلسيين لبغداد، كما كان أول من أدخل المذهب الإباضي الأمر الذي جعل المالكيين بالأندلس يقفون ضده قبل أن يتم اغتياله و بعث رأسه لعبد الرحمن الداخل.للأسف لم يحاول العباسيون ضرب أواصر الوجود الأموي بالأندلس داخلياً فقط، و هنا كان الخطأ الفادح بأن راسلوا ملوك الفرنجة لتدبير مؤامرة أعضائها الرماحس الكتاني والي الجزيرة، وسليمان بن يقظان الأعرابي والحسين بن يحيى الأنصاري في سرقسطة، وعبد الرحمن بن حبيب الفهري الصقلبي الذي كان عليه أن يعبر لينضم للمؤامرة، ومساعدة شارلمان ملك الفرنجة.
و كانت النتيجة تحرّك النصارى ولأول مرة على الحدود الشمالية في محاولة لضرب سرقسطة وبمعاونة داخلية لزعزعة مراكز القرار.

من هنا يتضح لنا بالمرحلة الأولى وإن رسمت معالم فشل العباسيين في قلب الأنظمة الداخلية الأموية بالأندلس، إلا أنها لم تكن لتمر دون تأثير على المد الإسلامي شمالاً، و لا على استقرار الحكم، كما ساهمت تدريجياً في توسيع الشروخ السياسية التي كانت قائمة بين المشرق و المغرب، بشكل ستكون له تبعات تاريخية هامة في ما بعد.

 

من جانب آخر، الأموييون وكثير ممن هاجروا (من رعاياهم الشاميين) إلى الأندلس، حاولوا وضع أسس خلافة في الغرب الإسلامي تنافس بحذر شديد خلافة العباسيين في المشرق، حتى في نمط الحكم و العمارة؛ فالخليفة في الأندلس اتخذ بلاطاً كأنداده في المشرق، وكان له قصر كبير بجوار الجامع الكبير، و حاشية مشَكَّلة، و زاد أن شيّد الأموييون الحصون أوقاموا المراسي وأعلوا المدائن وعينوا الولاة عليها (ولو أن مساحة الأندلس كانت لاتقارن بمساحة الدولة العباسية آنذاك) لإضفاء بعد اجتماعي وسياسي مميز، وبذلك كانت الحياة الداخلية الأندلسية عهد الأمويين تشبه بكثير الأنظمة القائمة في المشرق ولو كانت في الظاهر تستنفذ المجهودات الضخمة لإضفاء طابع متميز يرسخ استقلاليتها عن الحكم العباسي.

يقول ابن خلدون في مقدمته عن الحجابة والوزارة في الأندلس:

أما دولة بني أمية في الأندلس فأبقوا اسم الوزير في مدلوله أول الدولة، ثم قسموا خطته أصنافاً وأفردوا لكل صنف وزيراً، فجعلوا لحسبان المال وزيراً، وللترسيل وزيراً، وللنظر في حوائج المتظلمين وزيراً، وللنظر في أحوال الثغور وزيراً، وجُعل لهم بيت يجلسون فيه على فرش منضَّدة لهم ينفذون أمر السلطان هناك كلٌّ فيما جُعل له. وأُفرد للتردد بينهم وبين الخليفة واحدٌ منهم ارتفع عنهم بمباشرة السلطان في كل وقت، فارتفع مجلسه عن مجالسهم وخصُّوه باسم الحاجب

هذه الإدارة للدولة كانت صورة مطابقة لصورة الإدارة في المشرق؛ إلى جانب وظائف القضاء والحسبة والشرطة والجيش،فكانت فترة ازدهار المشرق تواكب فترة ازدهار الأندلس وكذلك العكس (بالرغم من اعراض الحروب الباردة بين المنطقتين)

من الطبيعي إذن، في ظل نفس المنهجيات البنيوية السياسية، أن نجد سيناريوهات الخلل والأزمات الأندلسية مشابهة للمشرقية منها في العهد العباسي، من استبداد للحجاب والوزراء في محاولة استئثارهم بالحكم، ونقارب هنا عصور الانهيار والفتن الداخلية التي عرفتها الخلافة الأموية بالأندلس “بنظيرتها” العباسية في بغداد.

ليس من الغريب إذن أن نجد أن المنصور بن أبي عامر (977 م- 1002م) انتهج نفس أساليب الحرس التركي المقرب من الخلفاء العباسيين في العصر العباسي الثاني (ابتداء من سنة 844م)، بل بنفس طرق الوصاية والاستئثار بالحكم الذي انتهجوه دون اسقاط الخليفة المركزي وبناء دولة داخلية موازية للدولة الظاهرة للعيان، الصقالبة والبربر بقيادة الدولة العامرية في الأندلس ومن قبلهم في المشرق الأتراك، ونجد موقف الخلفاء هو نفسه بالحرف من مهادنة أو خوف أو استمالة أو ثورة تنتهي باغتيالهم؛
(لن تسعنا بعض الأسطر لتفصيل عصر الفتن العباسية مع الحرس التركي وهو موضوع ندعو القارئ للتمحيص فيه عن سعة وقت لفهم تداعياته).

لعل الغريب أن تفكك الدولة العباسية نهاية القرن العاشر، و انفصالها إلى دويلات (كالدولة الطاهرية في خراسان، والطولونية ومن بعدهم الفاطمية في مصر والبويهيين والصفاريين بفارس والسمانيين بطبرستان وغيرها من الولايات الصغيرة المتناحرة فيما بينها) سيأثر فيما بعد في انفصال الدولة الأموية بالأندلس وانقسامها إلى ممالك على نفس الأسلوب، حتى أن الفتن الداخلية التي عرفها المشرق أثرت بشكل مباشر في الأندلس والمغرب خاصة تلك المرتبطة بالمذاهب والنحل.

انهارت تدريجياً سيطرة المسلمين على حوض البحر الأبيض المتوسط من الجانبين، بسبب انشغال القوى في صراعاتها الداخلية و أزماتها المتوالية، من تفكك للحكم بين الحرس و الجيش ونساء الخلفاء والورثة والاغتيالات السياسية والحروب والفتن الفكرية،فبدأت تدريجياً خارطة العالم الإسلامي تدخل مرحلة جديدة من التفاعلات، وهنا أيضاً كم يجد تقارب الأوجه مكانه بين المشرق والأندلس في فترات الحملات الصليبية التي انهالت على الطرفين في نفس الوقت.