العمارة الأندلسية بأمريكا اللاتينية (فن المُدَجّنين)

العمارة الأندلسية بأمريكا اللاتينية (فن المُدَجّنين)

 

فن المُدَجّنين أو موديخاريس من الفنون الإسلامية الخاصة بالمُدَجّنين وهم المسلمون ذوى الثقافة العربية الذين ظلو فى أراضيهم بعد إحتلالها من قِبل الممالك الإسبانية وأصبحوا فى خدمة التاج الإسبانى مقابل بقائهم فى الجزيرة واحتفاظهم بثقافتهم والمهن الخاصة بهم والتى كان من ضمنها هذا الفن.

بعد سقوط غرناطة عام 1492 م كانت مهن المُدجّنين المُتقنة مطلوبة فى الجزيرة الأيبيرية ، و خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر أصبح عملهم مطلوب فى المشاريع المعمارية فى المستعمرات الجديدة التابعة للتاج الإسبانى حيث كانوا يُعاملون كعمال وتم نقلهم عن طريق المحيط الأطلنطى ولم يُسمح لهم باصطحاب زوجاتهم ، وهناك حيث استقروا تزوجوا بنساء من أهل البلاد الأصلين ونتج عن هذا جيل من الأبناء والأحفاد من المولدين(los mestizos) وإلى يومنا هذا يوجد فى المدينة القديمة بجواتيمالا الكثير من الحرفين والذين يُعرفون باسم (ladinos) جزء كبير منهم أحفاد المُدَجّنين ويعود أصلهم فى البداية إلى اختلاط الإسبان والهنود والأفارقة وكان الجيل الأول منهم نتيجة اعتداء الجنود الإسبان على نساء المايا وعملوا كتجار وحرفين .

هؤلاء الأحفاد وأبناء الأحفاد من المُدَحّنين هم الحرفين الذين استمرت مهارتهم فى الصناعات والمهن المُتوارثة عبر الأجيال من جدودهم من الهنود حتى ادخال الأدوات الحديدية والنحاس من أجل أعمال البناء. سرت الأمور على هذا النحو حتى بداية القرن السابع عشر تم إصدار مرسوم فى بعض الأماكن مثل المكسيك ضدد هؤلاء المهاجرين يحاكى مرسوم الطرد الذى أصدره فيليب الثالث عام 1609 م ضدد الموريسكيون فى إسبانيا.

أول من أطلق مصطلح فن المُدَجّنين هو المؤرخ والأثرى الإسبانى خوسيه امادور فى محاضرة له فى أكادمية الفنون الجميلة تحت عنوان” أسلوب المُدَجّنين فى المعمار” وفن المُدَجّنين من الفنون الخاصة التى تُعبر عن شخصية متقنها وكان من أكثر الفنون تعبيراً عن إسبانيا فى فترة القرون الوسطى كما انعكس الجانب الدينى فى هذا الفن الذى يُعد من الشواهد التاريخية لإسبانيا وماضيها الثقافى .

ويشمل فن المُدَجّنين استخدام الطوب والأشكال الهندسية والمعادن المستخدمة فى الزخرفة والقرميد متعدد الألوان والمنحوتات الخشبية والزخارف الجصية واستخدام السيراميك والأقواس متعددة الأشكال والمُغلقة.

تطور هذا الفن و أشكاله المتعددة التى ظلت فى الجزيرة الأيبيرية ، ومع التوسع الإستعمارى فى أمريكا اللاتينة وعلى الرغم من عدم وجود اتصال مباشر بين العالم الإسلامى وأمريكا اللاتينية فى فترة الإحتلال ظهر التأثير العربى فى أماكن عديدة فى أمريكا اللاتينية من خلال أسلوب وفن المُدَجّنين المعمارى .

إحتل الإسبان أمريكا اللاتينية وجلبوا معهم هذا الفن عن طريق المُدَجّنين والموريسكيون الذين تم ترحيلهم كعمال وخدم للتاج الإسبانى ، وأكملت أمريكا اللاتينية هذا الفن واستمرت فى تطوره واجتمع أسلوب المُدَجّنين مع العمار التقليدى الأصلى وأساليب معمارية أخرى كانت فى أمريكا اللاتينية قبل الإحتلال.

انعكس فن المُدَجّنين فى الكثير من المساجد والأديره فى الجزيرة الأيبيرية وفى فترة الإحتلال حرص الإستعمار على نشر اللغة والدين ومن هنا كان بناء الكنائس ضرورة مُلحة بالنسبة للإسبان وتم بنائها بإسلوب معمارى مميز على أيدى المُدَجّنين.

هذة بعض الأمثلة لأسلوب المُدِجّنين المعمارى فى المناطق المختلفة بأمريكا الاتينية :

  • برج موديخار أو( برج المُدَجّن) بكالى- كولومبيا.

“La Torre Mudéjar de Cali, Colombia”

يُعد من أهم المبانى ذات الأسلوب المعمارى المميز للمُدَجّنين الذى يعود لغرناطة ، وتم زخرفة طوب البناء وتقطيعة إلى أشكال شبه منحرفة نتج عنه أشكال هندسية تشبة زخرفة السجاد الشرقى وقبة مغطاه بالقرميد متعدد الألون. ويقال أن هذا البرج صممه معمارى مسلم فر إلى امريكا اللاتينية فى ذلك الوقت هرباً من السلطات الإسبانية.

وصفه المؤرخ سانتياجو سيباستيان ” البرج المُدَجّن الأكثر جمالاً فى أمريكا اللاتينة” زخرفة طوب البناء وتغطية السقف والقبة بالقرميد الأزرق والأخضر من بعض ملامح أسلوب المُدَجّنين فى هذا البرج.

  • دير سان فرنسيسكو ليما – البيرو

“Monasterio de San Francisco, Lima, Peru”

قبو وصحن الكنيسة تم تصميمة على أسلوب المعمارى المُدَجّن بخليط من الهندسة الإسلامية ورموز دينية كاثوليكية كما تم تزين أعمدة الباحة الرئيسية بالدير بالقرميد الإشبيلى يعود للعام 1620 وملئ بالكثير من الأقواس العمياء أو المغلقة.

إحدى قباب الدير من الداخل

إحدى قباب الدير من الداخل

monasterio lima

 

  • دير المرثيد- المكسيك

“Convento de la Merced, Ciudad de México, México”

هو مثال فريد من فن المُدَجّنين فى مدينة المكسيك ويظهر ذلك فى الأقواس والأشكال الهندسية الظاهرة أو الموجودة فى تصميم وتزين وزخرفة هذا الدير.

  • أقواس كارمن-سان كريستوفل- المكسيك

“Arco del Carmen En San Cristóbal de las Casas, Chiapas, México”

يُعد الأكثر تأثراً بالأسلوب المعمارى للمُدَجّنين فى فترة الأحتلال وهو جزء من الدير الملكى (encarnación) التابع للتاج الإسبانى وكان هذا المبنى قديما باب الدخول للمدينة الملكية وهو بناء فريد تظهر فية ملامح الأسلوب المعمارى للمُدَجّنين بشكله المربع والفراغات المعمارية والزخارف الجصية والسقف الخشبى للقبو والنجمة الموضوعة به ذات الثمانى أضلاع والذى يحاكى السقوف فى الفن الإسلامى ويعد هذا المبنى الذى يعود لحقبة الاستعمار الأكثر جاذبية فى المدينة وأحد أماكن الفنون والثقافة وواحداً من المعالم الجديرة بالذكر والفريدة فى العالم الجديد.

بلكونات مدينة ليما.

“Los balcones de Lima”

 

مجموعة من النوافذ والشرفات من المركز التاريخى لمدينة ليما بالبيرو تعود لعصر الاحتلال الإسبانى تم تصميمها على الطراز العربى الموريسكى وهى من التراث المعمارى للمدينة وأعلنتها اليونيسكو تراث ثقافى للإنسانية.

فُندُق الفِنَاء الأندلسى

El Hotel Patio Andaluz

فُندُق الفِنَاء الأندلسى بالإكوادور يُعد تراث وطنى للبلاد ويقع بمدينة كيتو القديمة، وهو فى الأصل بيت كبير يعود لعصر الإحتلال الإسبانى تم بنائه فى القرن السابع عشر على الطراز المعمارى الأندلسى، كما يُعد من أروع الفنادق فى مدينة كيتو ويقصدهُ العديد من السياح ليستمتعوا بأجوائهِ التاريخية الأندلسية.

فُندق فلوريدا على الطراز الأندلسى
بمدينة هافانا القديمة – كوبا

 

قصر أورسوليناس بمدينة هافانا القديمة بكوبا صممه المعمارى خوسيه تورايا 1913 على الطراز الموريسكى لولعه الشديد بهذا الطراز وأطلق علية الطراز الموريسكى الجديد واعتمد في تصميمه الاقتباس من معمار مسجد قرطبة واستخدم القرميد الإشبيلى، تعرض هذا القصر للإهمال وتم إحاطته بالمبانى السكنية. انتشر هذا النوع من المعمار فى هافانا منذ مطلع القرن العشرين حتى الأزمة الإقتصادية عام 1921 ، ويوجد الكثيرمن القصور والمبانى التاريخة المُصممة على هذا الطراز.

مدينة رُندة

ciudad de Ronda

مدينة رُندة بالإكوادور وهى مدينة تاريخية شهيرة سكنها الإنكا قبل الإحتلال الإسبانى، وفى فترة الإحتلال سكنها العديد من الإسبان والمهاجرين وتأثرت منازلها وشوارعها بالطراز العربى الأندلسى وكان لكل منزل حديقة.

حى كولونيا دى سكرامنتو بأرجواى ، من أجمل الأحياء التاريخية ، تم إعلانه تراث ثقافى للإنسانية عام 1995 ، والكثير من مبانيه تعود لفترة الإحتلال الإسبانى والبرتغالى وما قبلهم ويوجد به الكثير من القلاع والحصون كما يتميز بالمناظر الطبيعية الخلابة والشوارع الحجرية.

 

كانت هذة بعض النماذج للمعمار الأندلسى بأمريكا اللاتينية على سبيل المثال لا الحصر، أستمر هذا الفن والأسلوب المعمارى فى الساحات والأسواق والمبانى العامة فى أمريكا الالتينية وحالياً انتقل إلى الولايات المتحدة وكاليفورنيا والمكسيك الجديدة والفنادق السياحية فى مدينة فلوريدا والتى تم بنائها فى بدايات القرن العشرين والمليئة بالزخارف الجصية من الداخل.