الرياضيات العربية ودورها في تطوير التراث العلمي الأوروبي (7)

كانت مدينة “بجاية” من أكبر المراكز الثقافية بداية من القرن الثاني عشر، لكن لم تصلنا سوى القليل من المعلومات حول الأنشطة العلمية. يعتبر القرشي (ت. 1184) من بين ممثلي التقليد الرياضي النادرين المعروفين بها، و كان قد عاصر “القُرشي” أوّل رياضي أوروبي كبير “ليوناردو بيزانو” الملقب “فيبوناتشي” (ت. بعد 1240)، حيث يُعتبران غريبان عن هذه المدينة التي عاشا فيها، لكن مع اختلاف أنّ الأوّل قدِم لبجاية ليدرّس بها في حين أنّ الثاني قدم للدراسة.لقد عرف القرشي خاصّة من خلال كتابه الضائع في الجبر والذي نقل بعضا من مقتطفاته زكريا الغرناطي، رياضي أندلسي من القرن الرّابع عشر.

بحسب شهادة ابن خلدون (ت. 1406) يُعتبر كتاب القُرشي تعليقاً على كتاب أبو كامل عالم الجبر المصري الكبير من القرن العاشر. يعتبر إكتشاف هذا التّعليق بالغ الأهمية في متابعة انتقال المسائل والطرق الجبرية قبل فترة التّرجمة اللاّتينية للقرن الثاني عشر، وبالأخص عبر كتابات فيبوناتشي الذي استند مباشرة على علم الجبر العربي في “كتاب الدير-Liber Abbaci”.

كانت مدينة “سبتة” ربما محلّ إقامة دائمة أو مؤقتة للرياضي أبوبكر الحصار (القرن الثاني عشر) مؤلف الكتابين الشهيرين: “الكامل في صناعة العدد” و “البيان و التّذكار”. الكتاب الأول عبارة عن مختصر في علم الحساب، أما الثاني فيُعتبر عملا ً قيماً في جزئين يعالج نظرية وحساب الأعداد. لم يصلنا منه للأسف سوى الجزء الأوّل منه وفهرس الجزء الثاني. محتوى الكتاب يظهر في الأغلب مستمداً من التّقليد الأندلسي للحساب. ففي كلّ الحالات تنتمي الكتب التي استشهد بها الحصّار إلى هذا التّقليد. ويتعلق الأمر بكتاب المعاملات للزهراوي والمقدّمة العملية لابن السمح، لا يظهر أنه تمت ترجمة الكتاب الأوّل بخلاف الثاني الذي ترجمه إلى العبرية موسى بن تبّون في نهاية القرن الثالث عشر. لكن يمكننا القول بأنّ هذه التّرجمة سمحت بانتشار كتاب “الحصّار” في الأوساط العلمية اللاّتينية.

تقدم مدينة تونس من خلال أعمال “رامون يوليوس- Ramon Lull ” مثالاً آخراً لإنتقال المعلومة العلمية في غرب البحر الأبيض المتوسّط. نعلم أنّ هذا الأخير ذهب لتونس مرّتين، المرّة الأولى سنة 1292 ثمّ سنة 1315 (بعد إقامته في مدينة “بجاية” سنة 1307). لم نتمكّن ممن الحصول على معلومات محدّدة حول أنشطته العلمية في هاتين المدينتين المغاربيتين لكن نعلم أنّه كان يتقن اللغة العربية في تلك الفترة، ومن جملة الكتب العلمية التي نسبت إليه نجد كتاب في الفلك “معاهدة جديدة لعلم الفلك- Tractatus novus de astronomia” وكتاب في الهندسة “كتاب هندسة جديدة ومختصر-Liber geometria nova et compendiosa”، كتب الكتاب الاوّل سنة 1297 أمّا الثاني فسنة 1299 أي بعد رحلته لمدينة بجاية.

المركز العلمي الرابع والأخير مدينة مرّاكش للقرنين الثاني والثالث عشر. كانت هذه المدينة التي تُعتبر عاصمة الإمبراطورية الجديدة مركز جذب لعدد كبير من المختصّين في مجالات متعدّدة. مثّل الإسهام الأندلسي في الرّياضيات محوراً مهمّاً في تشكيل وتنشيط تقليد معيّن سيترسّخ في المغرب العربي. كان ابن الياسمين (تُ. 1204) وكذلك ابن المنصم من الأوائل في هذا التقليد. وقد وجّهت كتاباتهم الإنتاج الأندلسي في القرن الحادي عشر، كما ساهمت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تكوين ثلاثة أجيال من الرياضيين.

تسمح لنا دراسة ما وصلنا حول علم الرّياضيات المغاربي المُنتج بين القرنين الثاني عشر والرّابع عشر بالتّخمين حول حضور مرّاكش في عديد المؤلفات التي كُتبت في المشرق لكن لم نجد لها أثرا في الكتابات الرياضية والفهارس الشهيرة. كذلك، تؤكد الدراسة المقارنة لكتاب “أسس و أوليّات في علم الجبر ” لابن البنّاء استعمال النّسخة العربية لعناصر إقليدس من قبل “لإسحاق ثابت” في مرّاكش.

للبقاء ضمن البناء اليوناني، يجب التنبيه أنّ البعض من مختصّي العصر كانت بحوزتهم النّسخة العربية لرسالة الكرة والإسطوانة لأرخيمدس، تقديم الحساب لـ “Nicomaque” والرّسالة حول ما يُعرف بالجسم السّباعي لأرخيمدس. بالنّسبة للبناء العربي المشرقي، بالإضافة للكتب السّابقة التي أشرنا إليها، تمّ العثور أيضا عند ابن حيدر على إحالة صريحة إلى إحدى تعليقات ابن الهيثم حول عناصر إقليدس بعنوان “حلّ الشكوك على إقليدس”.

 

حقوق الترجمة محفوظة لشبكة مترجَم | Moutarjam