الرياضيات العربية ودورها في تطوير التراث العلمي الأوروبي (6)

كان القرن الحادي عشر بالنسبة لإسبانيا الفترة الأكثر إبداعاً في الرياضيات، ما يؤكده بقدر كبير من التفصيل المفهرسون أمثال سعيد الأندلسي، فشهاداتهم مؤكدة وتوضحها دراسة النصوص النادرة التي وصلتنا وتم تحليلها أو نشرها في العقدين الماضيين. تؤكد محتويات هذه النصوص، فضلا عن قائمة من الكتابات التي نُشرت بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر (ولكن معظمها تم فقدانه) على أهمية انتقال الكتابات الرياضية اليونانية والهندية والعربية المشرقية وكذلك المغاربية إلى إسبانيا.

(-) أما بالنسبة لانتشارها في أوروبا، فقد تم التعرض له جزئيًا من خلال عدد من أعمال مؤرخي العلوم في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بخاصة من خلال أعمال “شتاينشنيدر-Steinschneider” التي حددت بأناة الترجمات إلى اللغات غير العربية (العبرية، الكاتالونية، اللاتينية، الإسبانية، الخ.)، هذه الترجمات التي بُدأت في توليدو في أوائل القرن الثاني عشر، واستمرت في إسبانيا وأماكن أخرى حتى القرن الخامس عشر.

في الفصل السابق، أضفنا إلى هذه المعلومات الببليوغرافية، معلومات أخرى استقيناها من تحليل نصوص رياضية شاهدة في إسبانيا على حضور أعمال هامة أنتجت في الشرق، والتي قد يكون محتواها انتقل في أوروبا عبر قنوات أخرى غير الترجمة.

Tusi_couple-590x260

في هذا الجزء الثاني، سوف نهتم بالرياضيات التي اُنتجت في إسبانيا وفي المغرب العربي ما بين القرن الحادي عشر والقرن الثالث عشر، عبر محاولة التركيز حول ما هو معروف عن هذا الانتاج، و تنقله الداخلي ثم نشرها النهائي في أوروبا.

في القرن الحادي عشر الأندلسي، هناك بخاصة كتاب المعاملات للزهراوي الذي نجت القليل من اقتباساته، كما نجت مقاطع من كتاب الهندسة العظيم لابن السمح (ت. 1035) من خلال ترجمة عبرية له في القرن الخامس عشر، كما نعرف الآن المحتوى التفصيلي لكتاب الانتهاء للمؤتمن، كذلك كتاب حساب المثلثات لابن مسعد الجياني المعنون بكتاب أقواس مجهولة للكرة، وفوق كل ذلك، ملخص لمؤلف مفقود لابن سيد عن أجيال وخصائص منحنيات جديدة غير المخروطية.

باستثناء كتاب ابن السمح، لم تستفد من الترجمة الأعمال الأخرى (التي هي على حد سواء عبارة عن ملخصات الكتابات السابقة، وامتداداتها على مستوى النتائج أو المنهج). فمن الممكن أن يرجع هذا إلى عدم توفر نسخ من هذه الكتابات في المدن التي تمت فيها الترجمات. ولكن يمكننا الإفتراض أيضًا بأن العقبة الرئيسية التي اعترضت ترجمتها كانت بسبب مستواها العالي وصعوبة مضامينها.

أما فيما يتعلق بالمغرب العربي للقرن الحادي عشر، فإن المعلومات النادرة المتعلقة بالأنشطة العلمية في المنطقة تعطي الانطباع أن المراكز الأكثر ديناميكية تموقعت في إفريقية. سنهتم هنا بعالمين من بين علماء تلك الفترة: الأول من القيروان والثاني كان قد قضى عشريتين من الزمن في مهدية.

الأول: ابن أبي الرجال(ت. 1034-1035) كان معروفًا كفلكي بالرغم من أطروحته الفلكية الكتاب الرائع عن أحكام النجوم، الذي أكسبه الريادة في أوروبا القرون الوسطى من خلال الترجمات اللاتينية والإسبانية. الثاني، أبو السلط (ت. 1134)، المعروف أكثر بكتاباته الحسابية والمنطقية. ولكن رسالته عن الإسطرلاب لقيت التفضيل من قبل بعض المستخدمين الأوروبيين في العصور الوسطى لتستفيد من الترجمة إلى العبرية.

خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، استمدت ظاهرتان مرتبطتان أشد الارتباط أصولهما من عوامل داخلية في إسبانيا (حروب الاسترداد، عداوات ملوك الطوائف) وأخرى إقليمية (ظهور المرابطين والموحدين السلطة في شمال أفريقيا). الأولى تخص إسبانيا، حيث نلاحظ كسوفًا، أحيانًا سريعًا جدًا، لبعض المراكز العلمية (قرطبة، سرقسطة وبلنسية وطليطلة) وظهورًا بطيئًا أو إعادة تنشيط مراكز في اقصى الجنوب (إشبيلية، مالقة، غرناطة).

أما الظاهرة الثانية فقد كانت في المغرب العربي حيث تم إدماج جزء من إسبانيا ضمن الإمبراطورية المرابطية ثم الموحدية، والتي كانت مصحوبة بانعكاس (من إسبانيا إلى المغرب العربي) في هجرة النخبة المثقفة، وبالتالي تعزيز نشوء وتطور أربعة مراكز علمية مغاربية: سبتة، بجاية، تونس، مراكش. رياضيو هذه المراكز هم الأقدم في المغرب العربي ممن تمكننا من الحصول على كتابات أو معلومات دقيقة عن مساهماتهم.

سوف نتعرض بإيجاز إلى هذه المراكز الأربعة، وسنعطي في كل مرة، بعضًا من المعلومات أو الافتراضات حول الدور الذي لعبته في انتقال الإنتاج العلمي من المغرب العربي إلى أوروبا.

حقوق الترجمة محفوظة لشبكة مترجَم | Moutarjam