الرياضيات العربية ودورها في تطوير التراث العلمي الأوروبي(4)

في الهندسة، كان أول تقليد جزءاً من حل مسائل إنشاء النقط والأشكال في المستوى. وبعد مواجهة مسائل غير قابلة للإنشاء، قام بعض الرياضيين من البلاد الاسلامية بتوسعة مفهوم الوجود الهندسي أو الجبري عن طريق الإستخدام المنهجي للقطوع المخروطية.

وكانت بذلك مناسبة لإجراء العديد من الدراسات على خصائص هذه المنحنيات وأفضل السبل لتوليدها. وقد سمح هذا مرة أخرى بطرق مختلفة بحل المسائل التقليدية للتقليد اليوناني (التقسيم الثلاثي، التكرار، وإدراج المضلعات المنتظمة في دائرة). عززت هذه المساهمات بعدها في تطوير نظرية هندسية للمعادلات التكعيبية.

téléchargement1-590x260

التقليد الثاني تمثل في التعرض لمسائل القياس (مساحات، حجوم، عزوم عطالة). الذي سمح بإيجاد نتائج مفقودة لأرخميدس (مثل تحديد مساحة جزء من قطع مكافئ) وتكملة نتائج أخرى. التقليد الثالث والأخير، الذي نشأ عن قراءة نقدية لمبادئ إقليدس، سمح بتمديد العمليات الحسابية إلى الأعداد غير الناطقة الموجبة، وتطوير تأملات جديدة في أسس الهندسة (بالأخص حول المسلمة الخامسة للمتوازيات) وإعادة تعريف مفهوم النسبة التي كان من شأنها السماح بتحديد مفهوم العدد الحقيقي الموجب.

في نفس الوقت، تم الشروع في نوع ثانٍ من التأملات استمر إلى غاية القرن الحادي عشر. تمحورت أولاً حول مسائل الإنشاء والاستدلال الهندسي ثم امتد إلى جميع أدوات البرهنة (التحليل والتركيب، والبرهان عن طريق الخلف، الاستقراء). وبذلك تم تشكل تقليد فعلي انطلاقاً من العناصر الموجودة في كوربوس الفلسفة والرياضيات الإغريقية. حِرفيوه هم ثابت بن قرة في القرن التاسع، وإبراهيم بن سنان والسيزي في القرن العاشر، وابن الهيثم في القرن الحادي عشر، وربما غيرهم ممن لم تصلنا كتاباتهم، التي قد تكشف عنها البحوث المستقبلية.

لقد تم البدء بالكشف عن عناصر تخص انتشار مختلف التقاليد الشرقية. فلأول مرة، لدينا شهادتان شبه مجهولتان تسمحان بالتأكيد على بلوغها إسبانيا والمغرب العربي. أولاً هناك شهادة الرياضي المغربي بن هيدور (ت. 1413) الذي يذكر كتابتين شرقيتين عن إدراج المسبّع، من خلال رسالة للصاغاني (القرن العاشر.)، وأخرى لشخصية لم يتعرف عليها اسمها أبو محمد. يذكر نفس المؤلف أيضاً النص المنسوب إلى كاتب هندي الذي يأخذ من أجل القيمة التقريبية لضلع من مسبع نصف ضلع من مثلث متساوي الأضلاع المدرج في الدائرة.

الشهادة الثانية، أكثر أهمية بكثير، وهي لفيلسوف سرقسطة، ابن باجة (ت. 1138)، المعروف باللاتينية باسم “Avempace “، الذي زودنا بمعلومات دقيقة عن أعمال أستاذه ابن سيد (كان ببلنسية)، وعن أعماله الشخصية المتعلقة بدراسة المخاريط واستخدامها في توليد منحنيات مستوية جديدة.

هذه الأخيرة استخدمت بعد ذلك في حل تعميمين لمسائل كلاسيكية: لتحديد “ن” متوسطاً بين مقدارين معطيين (كتعميم لحل مسألة المتوسطين)، ولتقسيم زاوية إلى زوايا متقايسة (كتعميم أيضا لحل مسألة تقسيم الزاوية إلى ثلاثة زوايا متقايسة).

تجدر الإشارة إلى أنه حتى خلال القرن الثاني عشر، لم يتم اعتبار هذين التعميمين قد حُلا بعد. فعلى كل حال، هذا ما صرح به الرياضي البارع السمؤال (ت. 1175). هذه الحقيقة وحدها تسمح لنا بالتأكيد على أن الأمر لم يكن مقصوراً على معرفة محتوى المتن الهندسي الكلاسيكي (الذي تعد معرفته ضرورية لمعالجة مسائل جديدة من هذا الصنف) في بعض المراكز العلمية بإسبانيا، ولكن أيضا اطلاع رياضيي هذه المراكز على المسائل المطروحة من قبل علماء الشرق، ومشاركتهم بنشاط في حلها.

بالنسبة للتقليد الثاني، ليس بين أيدينا غير أعمال المؤتمن الذي لم يشر صراحة إلى مصادره، ولكن من خلال تنّوع المواضيع في المطروحة في مؤلفاته والطريقة التي كان يتعامل بها معها، يمكن لنا القول أيضاً أن جزءاً كبير من التقليد الأرخميدي العربي قد وصل إلى إسبانيا، فبالرغم من أن الأدلة الملموسة التي بين أيدينا لحد الساعة، لا تعني غير رسالة إبراهيم بن سنان (ت. 946) في حساب مساحة جزء من قطع مكافئ.

حقوق الترجمة والنشر محفوظة لشبكة مترجم | Moutarjam