الجنّ والسّحر عند الموريسكيين 1

الجنّ والسّحر عند الموريسكيين 1

عانى المجتمع الموريسكي كثيراً من ظروف القهر والرقابة الدائمة التي كانت مفروضة عليه من طرف السلطات الصليبية بعد سقوط الأندلس، و التي كانت محاكم التفتيش المعينة من طرف الكنيسة مسؤولة عن ترتيبها و تنفيذها . تلك الرقابة الصارمة التي تجاوزت الحدود المألوفة أدّت إلى نفور شديد من قبل الموريسكيين من كل ما يأتي من قبل الحاكم الجديد في أرض الأندلس بل وأتت بأثر يناقض أهداف تلك الرقابة، إذ تحوّل الذوبان الاجتماعي للأندلسيين القشتاليين وأندلسي الغرب عبر قرون تلت السقوط المبكّر لتلك المناطق إلى ثورة على التقاليد المسيحية وعودة قوية إلى البحث عن الجذور الإسلامية العربية المفقودة وقد زاد من حدّة هذا التحولّ عند المسيحيين الجدد (كما كان يطلق عليهم) طرد الأندلسيين الغرناطيين إلى مناطق تواجدهم حيث وجد المدجنون من الأندلسيين القدامى في الغرناطيين ما كانوا فقدوه قبل قرون، كما أنّ هذا التوطين الجبري جعل من النصارى القدامى يسقطون نفورهم من الغرناطيين على النصارى الجدد ويعاملونهم بريبة وشكّ.

لم يلبث الوضع أن تطوّر والتحمت فئة الأندلسيين الغرناطيين مع باقي الأندلسيين في شتى المقاطعات الخاضعة لحكم التاج القشتالي الأراغوني وانبثقت فئة هي نتيجة الظلم المطبّق بدقّة من طرف محاكم التفتيش وهي فئة الموريسكيين، وهي الفئة التي شكّلت عنصراً جديداً في التركيبة الاجتماعية في جزيرة الأندلس. حيث تشكلت مجموعة تدافع عن هويّة إسلامية مفقودة من خلال محاولة الحفاظ على اللغة العربية بتعليمها في مدارس سرّية ونقل الأخبار والأحداث عن طريق لغة الألخميادو التي هي نتيجة التزواج الإجباري بين الماضي العربي والواقع القشتالي، ثمّ الحرص على نقل الثقافة الإسلامية عبر التوريث الشفوي.

هذه المكوّنات الثرية للمجتمع الموريسكي جعلت له ثقافة جدّ متنوّعة وصلتنا بعض تفاصيلها من خلال المخطوطات الموريسكية المكتوبة بالألخاميادو والتي تطرّق لها البعض بالبحث والتمحيص والنشر.

ومن بين هذه المكونات الثقافية للعنصر الموريسكي نتعرض إلى الثقافة الغيبية المتمثلة في الروحانيات والأساطير والسّحر، ويجدر بالذكر أنّ من أهم أسباب بعث النساء الموريكسيات إلى محارق ومشانق محاكم التفتيش اتهامهن بممارسة الشعوذة والسحر.

الشياطين عند الموريسكيين

آمن الموريسكيون بوجود الشياطين والجنّ وخلقوا أساطير حولهم وكانت عندهم رهبة منهم وخوف من قوتهم الكبيرة لذلك كان الموريسكي يتحاشى ذكر الشياطين بأسماءها وكانوا يذكرونها بأسماء تدلّ عليها مثل: “أولئك”، “هم”، “تلك الناس”، “الملاعيين”..إلخ. وكانوا يعتقدون وجود 6666 كتيبة من الشياطين كلّ منها تضمّ 6666 شيطانا يتزعّمها 72 رئيساً. أمّا الجنّ فزعيمها اسمه “الحارس” ويجب الحذر منه بعد الغروب لأنّه يؤذي الأطفال فيمرضون ثمّ يقتلهم.

لكن لم يكن هناك فقط الخوف من الشياطين والجنّ بل كان من الشائع أيضًا الإيمان في قدرتهم على المساعدة ولهذا كان الموريسكييون يؤمنون بوجود جنّ تركي اسمه “ميمون” هو أحد السبعة ملوك من الجنّ الموجودة في الأرض وأحد أربعة ملوك جهنّم كما أنّه ملك النّار الشرقية وكانوا يظنون أنه يجب ذكره بين التاسعة صباحًاومنتصف النهار ثمّ بين الثالثة والسادسة مساءصا لاتّقاء شرّه وطلب عونه و ان من بين أسمائه “الظهير”، “المعين”، “أبو نوح”، “الأسود”، “الصحابي”.

استخدام الجنّ

كما كان يستدعى رئيس الشياطين ويُستحضر لقدرته على السيطرة على الشياطين الصّغيرة وكانت تقام لذلك طقوس خاصّة، وكان اكتشاف تلك الطقوس يعرّض صاحبها لعقوبة محاكم التفتيش وقد أقيم الحدّ على الموريكسي “juan maroto” بتهمة ملك شيطان عائلي في منزله يساعده على شفاء مرضاه.

و اعتقد الموريسكيون أيضًا في وجود طلاسم تحمي من العين والسحر وتجعل الشياطين تطيع حاملها وقد وقف الموريسكي الطبيب geronimo” pachet” أمام محاكم التفتيش بتهمة ملك سلسلة حديدية تحمل طلسمًا.

كما كان سائدًا في المجتمع الموريسكي استعمال الرّقية لعلاج المريض والمصاب بالعين والمسحور، غير أنّها رقية غريبة عن التقاليد الإسلامية وكانت موجودة بكثرة عند موريسكي قشتالة حيث كانت تستعمل صلوات مسيحية لدعاء الجنّ من أجل تسخيره لطرد الجنّ المسلّط على المصاب.

وقد اعتقد الموريسكيون أن الشيطان المسمى “أمزريل” والملقّب ب”حارس الكنوز” هو من يملك مفاتيح الكنوز وهو قادر على تحريكها من مكان لآخر بعيدًا عن مرأى البشر وقد كان هذا سببًا آخرًا في مرور العديد من الموريسكيين عبر زنازن أو مشانق محاكم التفتيش، إذ تذكر دفاتر محاكم التفتيش المورسكي “cosme abenamir” الذي كان يشتغل في البحث عن الكنوز باستخدام الشياطين أو “alvaro bazan” الذي ألقي عليه القبض بعد أن جعل بيته مزارًا للباحثين عن الكنوز التي كانت تدلّه عليها أمساخٌ يكلمها عبر مرآة في بيته.
يتبع …


المصدر : Yvette Cardaillac Hermosilla, La magie en Espagne, Morisques et Vieux Chrétiens 1996

المواضيع ذات الصلة