الجزيرة الخضراء

الجزيرة الخضراء

كان للجزيرة الخضراء تاريخ قديم بصفتها إحدى اهم القواعد الإسلامية الأندلسية، وهي تقع في أقصى جنوب الأندلس، وتحظى بموقع بحري هام، وقد كانت محطة استراتيجية لنزول المحاربين العرب والمغاربة شأنها في ذلك شأن، جبل طارق وجزيرة طريف، فهي بهذا تعتبر همزة وصل بين الأندلس والمغرب.

وقد أطلق طارق بن زياد على الجزيرة الخضراء اسم جزيرة أم حكيم نسبة إلى جارية كان قد حملها معه، فتركها بهذه الجزيرة، فنسبت إليها. يقول الأستاذ الباحث الإسباني خواكين فالفي (Jouaquine Vallvé) : “أعتقد أن الجزيرة الخضراء اسم معرب من كلمة جديرة ( Gadeira) وبأن مجاز الخضراء يساوي Gadeira أو بالأحرى المضيق القادسي. وأظن أن اسم جزيرة أم حكيم ترجمة حرفية لجزيرة هيرا (Hera) أو خونو (Juno) الإلهة الأم للنصائح الجيدة، وهو بالضبط ما يعنيه اسم أم حكيم”.

وصفها ياقوت الحموي في معجم البلدان بإنها:

بأنها أشرف المدن وأطيبها أرضاً، وسورها يضرب به ماء البحر، ولا يحيط بها كما تكون الجزائر، لكنها متصلة ببر الأندلس لا حائل من الماء دونها، ومرساها من أجود المراسي للجواز وأقربها من البحر الأعظم

وقال عنها ابن سعيد:

مدينة الجزيرة الخضراء من أرشق المدن وأطيبها، وأرفقها بأهلها، وأجمعها لخير البر والبحر وقرب المنافع من كل جهة، توسطت مدن الساحل وأشرفت بسورها على البحر، ومرساها أحسن المراسي للجواز، وأرضها أرض زرع وضرع ونتاج، وعندما يخرج الإنسان من بابها، يجد المياه الجارية والبساتين النضرة ونهرها يعرف بوادي العسل، سمي بذلك لحلاوته، وعليه موضع سهل، عليه حاجب مشرف على النهر والبحر في نهايته من الحسن، يعرف بالحاجبية، ومقابرها حسنة، وفي نهاية من الأخذ بالقلوب والفرجة، وولاتها تتردد عليها من إشبيليا

 

كتدرائية

كتدرائية سانت ماريا دى لا بالماس التى بُنيت على انقاض مسجد الجزيرة الخضراء

أصبحت الجزيرة الخضراء بعد الفتح الإسلامي مدينة مزدهرة بحكم موقعها وأهميتها الاستراتيجية الرابطة بين العدوتين، وكان مسجدها الجامع آية في الفن المعماري والزخرفة، له خمسة صحون وساحة واسعة وأروقة من ناحيته الشمالية، وبني مسجد آخر قرب الشاطئ اسمه مسجد الرايات الذي يقول عنه الإدريسي إن سبب هذه التسمية هو أن الرايات التي حملتها كتائب الفاتح طارق بن زياد حفظت في ذلك المكان بعد زحفها من جبل طارق، ويقول آخرون إن حملة الرايات ـ وهم قادة الكتائب ـ اجتمعوا قرب ذلك المكان لعقد مؤتمر عسكري، فلما عبر ـ أي موسى بن نصير ـ، انتظرهم في مكان على مقربة من الجزيرة الخضراء ابتنى فيه مسجداً، وأخذت الرايات تفد عليه في ذلك الموضع، فعرف الموضع والمسجد بمسجد الرايات.

 

وفي سنة 245 هـ (ولاية محمد بن عبد الرحمن بن الحكم)، هاجم النورمانديون شواطئ الأندلس للمرة الثانية، فدخلوا الجزيرة الخضراء، وأحرقوا المسجد الجامع.

 

تمثال محمد بن أبى عامر

تمثال الوزير المنصور محمد بن أبى عامر فى مسقط رأسه بالجزيرة الخضراء

يعتبر أشهر من انجبتهم الجزيرة الخضراء هو الوزير المنصور محمد بن أبى عامر

بعد تفكك الدولة الأموية في الأندلس وظهور ملوك الطوائف، حكمها القاسم بن حمود إلى جانب طنجة وأصيلا، بينما عين أخوه علي حاكماً على سبتة، وهما أميران إدريسيان كانا مسؤولين عن القوات الإفريقية المرابطة عند “سيكوندة” قبيل انهيار الدولة الأموية ولما اشتد ساعداهما، أعلنا قيام مملكة بني حمود سنة 407 هـ. وقال ابن حيان إنه في سنة 439 هـ، واجتمع رؤساء القبائل من الأمازيغ على البيعة لمحمد بن القاسم بن حمود الحسني، وقدموه للخلافة بالجزيرة الخضراء، وتسمى من الألقاب الخلافية بالمهديّ، ولكن خلافته لم تستمر طويلاً، فقد قام المعتمد بن عباد ملك إشبيلية بمحاصرة الجزيرة الخضراء فوقعت المدينة في قبضته سنة 446 هـ.

 

وفى عهد المرابطين وعبور أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، استرجعت الجزيرة الخضراء مكانتها الاستراتيجية في ساحة الأحداث من جديد بصفتها مكاناً للعبور ومنطلقاً للغزاة نحو المراكز الأندلسية الأخرى إلا ان المدينة بدأت تفقد مركزها الحربى والتجارى مع ظهور الموحدين لأنهم فضلوا استخدام مرفأ جبل طارق.

وفى عهد بنى الأحمر “بنو نصر” كانت الجزيرة الخضراء ضمن مملكة غرناطة وكانت تابعة لمالقة، وأصبحت الجزيرة الخضراء موضع صراع بين حكام العدوتين: بني الأحمر والنصارى في الأندلس، وبني مرين في المغرب. وقد فطن ملوك بني الأحمر إلى أهميتها وموقعها المتميز، فقاموا بتحصينها، كما اهتموا ببناء سلسلة من الأبراج ابتداء من مدينة ألمرية إلى الجزيرة الخضراء.

أما بنو مرين، فقد حصنوها كذلك حتى تتمكن الجيوش المغربية من العبور إلى الأندلس للجهاد ومساندة إخوانهم ضد الزحف المسيحي دون مشقة أو عناء، اضحت الجزيرة الخضراء فى عهد السلطان المريني أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق مقرّاً للقيادة ومستودعاً للإمدادات ومنطلقاً للغزوات، يعود إليها بعد كل غزوة يغزوها داخل الأندلس، فبنى بها قصراً ومشوراً وجامعاً.

ألفونسو الحادى عشر

تمثال ألفونسو الحادى عشر فى الجزيرة الخضراء

سقطت الجزيرة الخضراء فى يد القشتالين سنة 742 هـ 1342 م عقب موقعة سالادو التى هُزمت فيها جيوش المغرب والأندلس بقيادة السلطان ابى الحسن المرينى والسلطان يوسف ابى الحجاج، واستولى ألفونسو الحادى عشر ملك قشتالة على الجزيرة الخضراء وخربها وحول مسجدها الجامع إلى كنيسة سميت سانت ماريا دى لا بالماس “القديسة مريم ذات النخيل” Sta Maria del las Palmas.

اعاد الإسبان بناءها فى سنة 1760 فى عهد المالك كارلوس الثالث، وهذا هو السر فى ان الجزيرة الخضراء تبدو مدينة حديثة لا صلة لها بالعهد الإسلامى، وليس فيها آثار أندلسية إلا انه يوجد بها بعض الآثار التى تعود للعصر الإندلسي محفوظة فى متحف البلدية Municipal Museum الذى أسس فى عام 1995 ويقع فى الطرف الشمالى من حديقة de las Acacias de Algeciras.

والجزيرة الخضراء تتبع اليوم مقاطعة قادس فى إقليم اندلوسيا جنوب اسبانيا.

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع

ياقوت الحموى، معجم البلدان

ابن سعيد، المغرب فى حلى المغرب

حسين مؤنس، فجر الأندلس

محمد عبد الله عنان، الآثار الأندلسية الباقية فى اسبانيا والبرتغال

محمد القاضى، الجزيرة الخضراء ثغر الأندلس الباسم ، مجلة العربى

المواضيع ذات الصلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *