الأندلس: فتحٌ أم احتلال؟

الأندلس: فتحٌ أم احتلال؟

هل كان دخول المسلمين الأندلس فتحاً أم احتلالاً؟

يعتبر هذا السؤال من بين الأسئلة التي تنهمل على المهتم بشأن الأندلس و تاريخها، سواء كان مدوناً أو باحثاً أو مؤرخاً أو مجرد ناقل لأخبار الأندلس وأحداثها، وهو يأخذ صيغاً كثيرة تكون حسب شخص السائل وهدفه من السؤال، فإن كان بريئاً ومستفسراً بصدق سأل: لماذا نسمي دخول المسلمين عسكرياً إلى أرض لا تتبعهم فتحاً؟ و إن كان السائل ناقماً ومستهدفا صاغ سؤاله على نحو: ما الفرق بين الاستعمار الحديث والاحتلال العربي للأندلس كلاهما أخذ بالقوة و ظلما أرضاً و ملكاً لا يستحقانه.

الرد على هذا السؤال في الحقيقة ليس بالأمر البسيط لأنّه يحمل في طياته إشكالات وتعقيدات كثيرة تختزل قروناً من الشخصيات و الأحداث، ولهذا حاولت أن أحلل جيداً الموضوع قبل الشروع في تركيب أي جواب قد لا يكون بقوة طرح السؤال.

لم أجد أي عناء في فرز من يتداولون هذا السؤال ووضعهم في مرتبتين: مستيقن ومستيقن!
أما المستيقن الأول فهو الذي رسخ فيه أنّ دخول المسلمين الأندلس في بداية القرن الثامن للميلاد ليس إلا تواصلا لسلسلة الفتوحات الهادفة إلى نشر الإسلام والتي بدأها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- و تبعه فيها الخلفاء الراشدون ومن تلاهم، غير أنّه تاه في بحر المفردات وأصبح عاجزاً عن تجاوز عقبة التشابه المطبق ضمنيا للاحتلال والفتح.

و أما المستيقن الثاني، فهو متأكد تماماً أنّ ما سمّاه المسلمون “فتحاً” للأندلس ليس إلا احتلالاً لا يختلف البتة عن أي عمل صنّفه الإنسان على أنّه “احتلال”، ويعتبر سؤاله محاولة لبث الشك وغرس الريبة في صف الصنف الأول ثم خلق شرخ في قناعة المؤمن بشرعية الفتح الإسلامي يدخل من خلاله لبث أفكار أكثر هدماً وتدميراً.

و بما أنّه يُفترض من الباحث أن يكون منصفاً بعيداً عن الأحكام و الاتّهامات فإنّ جوابنا سيكون موجّها مباشرة للصّنف الأول من الذين واجههم هذا السؤال فعاودوا طرحه على من توسموا فيهم المقدرة على الردّ المقنع، وهدفنا هو القفز على الغموض الذي يتركه وضع الخيار على تصنيف العمل العسكري والسياسي الإسلامي في الأندلس بين الفتح أو الاحتلال، أما الصنف الثاني الذي اقتنع بفكرة أن الفتح الإسلامي هو وجه مطابق للاحتلال فلا أرى بدّاً من مخاطبته مباشرة لأنّ من شروط النقاش العلمي التخلي عن القناعات المسبقة أو على الأقلّ ترك مجال لإمكانية التنازل عنها، و لكن يستطيع كلّ من اقتنع بأن المسلمين قد احتلّوا الأندلس أن يشاركنا في فلسفتنا للرد على الموضوع عساه يغير موقفه أو يثبته.

الفتح و الاحتلال

اكتشفت بعد تحليل سؤال موضوع البحث أنّ المقارنة تقع بين مصطلحين رئيسين هما “الفتح” و”الاحتلال”، ولهذا كان علينا قبل الإجابة عن السؤال تقديم شرح مفصّل مستنبط من المصادر المتداولة لمعنى كلّ كلمة على حدى.

و قد قمت بعملية مقارنة بين المعنى اللغوي لكل كلمة في ثلاثة لغات مهمة و هي: الانجليزية و الفرنسية و الإسبانية (1) و قد وجدت هذه المعاني المشتركة لتعريف كل كلمة:

-الاحتلال: السيطرة بالقوة على أرض غير تابعة للمعتدي.

-الفتح: السيطرة على أرض أو بلد باستعمال القوة و التدخل في الشأن الخاص.

أما في قواميس اللغة العربية الحديثة فوجدت اتفاقا على هذين المعنيين:

-الاحتلال: الاستيلاء على أرض دولة أخرى بالقوة. (2)

-الفتح: الاحتلال، الغلبة و التملّك. (3)

في الحقيقة لم أكن أعتقد أن الجواب عن سؤال فتح الأندلس أو احتلالها سيكون ببساطة شرح معاني مفردات السؤال و لكن تراءى لي الجواب بمجرد قراءة تعريفات القواميس و المعاجم، أمّا عن سبب اختياري للغات الأجنبية الثلاثة بالذات فذلك سببه أنّها لغات أكبر القوى الاستعمارية في التاريخ الحديث باستثناء البرتغال. أما الفرنسية فهي لغة فرنسا أكبر مستعمر في إفريقيا(4)، و أما الانجليزية فهي لغة بريطانيا العظمى غازية ربع العالم (5) سابقاً، ولغة الولايات المتحدة الأمريكية المحتل الحديث، وأما الإسبانية فهي لغة المملكة الإسبانية التي احتلت جنوب أمريكا وبضعاً من أراضي جنوب شرق آسيا(6). و ما شد انتباهي عند طرح تعريف مصطلح الاحتلال و صطلح الفتح هو توافق معناهما اللغوي. حيث لا يوجد أي فرق يذكر في اللغات السابقة حول تعريف كل من الفتح والاحتلال.

المعنى الضمني و التموقع

إذن كان للفتح والاحتلال نفس المعنى فلماذا نناقش السؤال من أساسه؟

في الواقع إنّ الفرق الكامن بين الفتح والاحتلال ليس فرقاً لغوياً بقدر ما هو فرقٌ اصطلاحي، لأنّ العادة جرت على وجود مفهوم ضمني للاحتلال يجعله عملاً عسكرياً غير عادل تقوم من خلاله مجموعة أو دولة ما بالسيطرة على دولة أو أرض أخرى باستعمال القوة ودون احترام للحريات والممتلكات والأشخاص وينتهي هذا العمل بتحول السلطة إلى الطرف الجديد وسقوط حقوق صاحب الأرض أو البلد، أما الفتح فله مفهوم إيجابي يجعل منه عملية عسكرية يقوم بها طرف”عادل”و “متحضر” في دولة أو بلد أو أرض طرف”متخلف” “ظالم” و تنتهي هذه العملية بتصدير الحضارة والتطور والتقدم للطرف الذي لم يحسن التصرف في بلده أو أرضه (7).

و للتأكد من وجود هذا الفرق الاصطلاحي يكفي قراءة تاريخ أي صراع ما من خلال كتابات طرفي الصراع، فبينما يصف الألمان النازيون سقوط باريس في الحرب العالمية الثانية بالفتح المبين تجد المؤرخين الفرنسيين يطلقون عليه اسم الاحتلال النازي، و بينما يصف الجزائريون التواجد الفرنسي في الجزائر على مدى قرن ونصف بالاحتلال الغاشم تجد فرنسا تصفه في كل كتاباتها الرسمية و التاريخية ب”الفتح” وكذلك ينطبق الأمر على موقف الهنود الحمر من التدخل العسكري الإسباني ثم الانجليزي في أرضهم ووصفه بالاحتلال الظالم وتأكيد الإسبان والإنجليز على تسميته بالفتح المنصور.

هذا الاستعمال الاصطلاحي كما رأينا هو الذي يضع الحدود بين مفهوم الاحتلال ومفهوم الفتح، وإذا وقفنا موقفاً محايداً فسوف نستنتج بسهولة كيف أن استعمال المفاهيم يكون على حسب مقاس المستعمِل، ففرنسا مثلاً لم يختلف تدخلها في إفريقيا عن تدخل الألمان في فرنسا وأوروبا ولكنها تصف تدخلها بالفتح وتدخل ألمانيا بالاحتلال، و العجيب أنّها ما زالت ترافع على مستوى سياسي عالٍ جداً للدفاع عن عمليات الاحتلال التي قامت بها في إفريقيا حيث أصدر برلمانها سنة 2005 قانوناً يمجّد تاريخ فرنسا الاستعماري رغم أنه كلف إفريقيا الويلات والخسائر المادية والبشرية الباهضة، كذلك نرى أن دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية لا زالت تبرر أعمالاً استعمارية تفتقد لكل معنى إيجابي مثل قصف جزر اليابان بالنووي أو حربها على العراق وأفغانستان وقبلهما الفيتنام وتسميتها بالفتوحات، بينما تضع مفهوماً سلبياً لكل عمل مماثل مضاد لها وتسميه بأوصاف أدناها الاحتلال وأقصاها الإرهاب.

إذن فالفرق بين الاحتلال و الفتح ليس فرقا اصطلاحيا فقط، بل هو فرق في التموقع في النزاع، فإذا افترضنا أن النزاع عصا طرفاها دولتان أو مجموعتان فسوف نجد على أحد الأطراف محتلّاً وفاتحاً وعلى الطرف الآخر مظلومًا ومستحقًّا للاحتلال.

فإذا وقفت على طرف العصا من جانب القوي رأيته تسمى “فاتحاً” و برّر استحقاق الطرف الآخر للفتح أو الاحتلال، وإذا وقفت على طرفها من جانب المغلوب على أمره رأيته سمى الآخر “محتلا” و نفسه “مظلوما”.

حدّد موقعك

لهذا إذا أردنا أن نعرف إذا كان دخول المسلمين الأندلس فتحا أم احتلالا، وجب علينا التسلسل في مطابقة التعريفات السابقة على التواجد الإسلامي:

  1. حسب التعريف اللغوي لا يكون دخول المسلمين احتلالاً أو فتحاً إلا إذا كان عسكرياً وبالقوة، و هذا ينطبق على دخول المسلمين أوّل الأمر ولكنّه ليس بالبساطة التي يريد تصويرها من يعادي فكرة فتح الأندلس. فالمسلمون كان تدخلهم العسكري في أول الأمر موجهاً نحو الحكّام القوطيين الذين لم يكونوا أبناء البلد الأصليين ثم تحول الصراع العسكري عبر قرون طوال من صراع بين الجنس العربي الأمازيغي الدخيل و الجنس الإيبيري الأصيل إلى صراع بين أبناء الأندلس المسيحين وأبنائها المسلمين بل وبين أبناء الفئتين. ورغم محاولات بعض الكتّاب والمؤرخين لإزالة الصفة العسكرية عن التدخل الإسلامي في الأندلس(8)، إلا أننا نميل إلى تأكيد تطابق التواجد الإسلامي بدءاً في الأندلس مع المفهوم اللغوي للاحتلال والفتح.
  2. لكن هل كان هذا التدخل العسكري الإسلامي يحمل وجها إيجابيا يجعل منه فتحاً أم أنّه كان ذا خصائص سلبية تجعل منه احتلالاً خالصاً؟ طبعاً الجواب على هذا السؤال يدفعنا للانتقال مباشرة إلى النقطة الثالثة في التسلسل التحليلي وهي نقطة التسمية حسب التموقع في الصراع.
  3. رغم أنّ هناك إجماع إسلامي بل وغربي على الوقع الإيجابي للتواجد الإسلامي في الأندلس وجعل هذه المنطقة من أوروبا مثالاً في التقدم التقني والتطور الحضاري و لتفوق المعماري وحرية المعتقد(9)، إلاّ أنّ هذا لا يغّطي على النقائص التي شهدها التواجد الإسلامي منذ أول تدخل في الجزيرة إلى غاية سقوط الأندلس نهائياً. وهنا نعود لمسألة التموقع، حيث نجد تركيزاً على الجانب الإيجابي من طرف المنتصرين لفتح الأندلس بينما نجد تغطية حصرية للنقاط السلبية من جانب المعادين لفكرة الأندلس الإسلامية، وبالتالي فإنّ من أراد أن يعرف إذا كان دخول المسلمين للأندلس وبقائهم بها ثمانية قرون وبنائهم لحضارة تاريخية خالدة يعتبر فتحا ًأو احتلالاً فيكفيه أن يضع نفسه في أحد أطراف العصا.

ومنه فعلى كل شخص مهتم بتاريخ الأندلس أن يجد لذاته مكاناً في ذلك التاريخ يجعله يفهم التاريخ من خلال شخصه وهويته وقيمه ودينه ومبادئه , فإذا وجد في هذا التاريخ ما لا يناسب قيمه وذاته فعليه أن يطرح ذاك الشق من التاريخ لا أن يغير من قيمه وأن يدوس على هويته. إنّ نشر الإسلام و مبادئه أمر ثابت في عقيدة المسلم تجعله يقرن أي عمل دعوي إسلامي بقول الله تعالى: “إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً” (10)، وقوله عز وجلّ: “إذا جاء نصر الله والفتح” (11)، كما أنّ المسلم مطالبٌ بالعدل في الحكم على المسائل التاريخية من ثناء على المواقف الإيجابية ونقد للتصرفات السلبية التي شابت التاريخ الإسلامي ولكنّه غير مطالب بتاتاً بالوقوف في صفّ الطرف الآخر في جنبي التاريخ والدفاع عن آراءه وتبني أفكاره ومعتقداته.

 


 

  • (1) Larousse – Cambridge dictionary- Dicionario de la RAE
  • (2)معجم اللغة العربية المعاصرة،المعجم الوسيط.
  • (3)معجم اللغة العربية المعاصرة.
  • (4)فاقت مستعمرات فرنسا بين القرن الثامن عشر و القرن العشرين الستين مستعمرة بين دولة و جزيرة.
  • (5)بلغت مساحة مستعمرات المملكة البريطانية ما يقارب الثلاثين مليون كيلومتر مربع أو ما يعادل ربع مساحة اليابسة.
  • (6)تُعتبر المملكة الإسبانية أول محتل لجنوب القارة الأمريكية حيث كانت تسيطر على 70% من مساحة القارة.
  • (7)كتاب La désinformation autour de la colonisation لصاحبه Arnaud Raffard de Brienneيتطرق إلى كيفية تزيين الاحتلالوتحويله إلى فتح بصبغة حضارية.
  • (8)من بين الأسماء التي تدافع عن هذه الفكرة نذكر الباحثين : Carmina Fort Dolors Bramon, Ignacio Olagüe, Emilio González Ferrín
  • (9)لم ينكر الأثر الإيجابي للحضارة الأندلسية على جزيرة الأندلس أووروبا حتى أشد المستشرقين عداء لتاريخ الأندلس مثل دوزي.
  • (10)سورة الفتح، الآية 1
  • (11)سورة النّصر، الآية 1

 

المواضيع ذات الصلة