من الآلات الموسيقية الأندلسية: العود

من الآلات الموسيقية الأندلسية: العود

العود هو بلا منازع أقدم آلات الجوق الأندلسي، أجمعت سائر المصادر التاريخية التي عُنيت بالآلات الموسيقية على ذكره، والحفاوة بدوره، حيث واكب أدق مراحل تطور الموسيقى الأندلسية، كما ظل يحتل من بين سائر آلاتها العتيقة مركز الصدارة، وبالإضافة إلى المكانة المرموقة التى يشغلها العود فى المجموعة الآلية بالجوق الأندلسي، فإنه شكّل ولا يزال الأرضية الأساسية والضرورية لبناء القواعد التى تُشاد عليها النظريات الضابطة للموسيقى العربية، وذلك منذ عهد الكندي، حيث أصبحت هذه الآلة حقلًا لإختبار النظريات وتطبيقها، ومجالًا مفضلًا لدى الباحثين خلال مختلف الحقب لمناقشة القواعد الموسيقية العلمية.

ولعل هذا ما جعل العود على مر العصور العربية الآلة الأكثر استئثارًا بإهتمام ممارسي الموسيقى العربية على تنُّوع ألوانها، وما جعله على لسان الشعراء يذكرون أجزاءه وطريقة تركيبها ويصفون عازفيه وطريقه حس أوتاره، ومن أروع الأمثلة على ذلك ما ذكره ابن زمرك فى وصف هذه الآلة في قصيدة مدح بها الغنى بالله عام 789هـ.

والعود فى كف النديم بسر ما ** تلقى لنا منه الأنامل قد جهر

غنى عليه الطير وهو بدوحه ** والآن غنى فوقه طير أغر

وقد حل العود بأرض المغرب مع حلول العرب المسلمين، ثم انتقل مع الفاتحين الأولين إلى الأندلس، فكان عمدة الموسيقيين فى مصاحبة غنائهم، حتى إذا نزل زرياب قرطبة دار الخلافة الأموية بالأندلس طفر بهذه الآلة طفرة كبرى إلى الأمام، وذلك بإضافته وترًا خامسًا مزدوجًا إلى أوتارها الأربعة.

يقول اليفرانى متحدثًا عن زرياب نقلًا عن بعض من سبقه: “اخترع وترًا خامسًا أحمر وأضافه إلى الوتر الأوسط الدموى، ووضعه تحت المثلث وفوق المثنى، فكمّل فى عوده قوى الطبائع الأربع، وأقام الخامس المزيد مقام النفس فى الجسد”.

وقد فسّر البارون دير لانجى صنيع زرياب هذا فذكر أنه أراد بذلك إحلال هذه الآلة المكانة الرئيسية فى الأوركسترا بعيدًا عن أن يكون تحت تأثير اليونان، وقد نسب إلى مدرسة زرياب أنها سمَّت الوتر المضاف الزير الثاني، وجعلته أكثر الأوتار حدّة.

ويبدو أنه ما حدا بزرياب إلى إضافة الوتر الخامس عاملان مهمان:

أولهما: رغبته فى تجاوز التقاليد الشرقية القديمة التي كانت تفرض وجود تناسب عددي بين الطبائع الأربع وأوتار الأربعة وهي مثل أرباع فصول السنة، وأرباع عناصر الريح، وأرباع أركان البدن، وأرباع القمر، وما إلى ذلك.

ثانيهما: حرص زرياب على استيعاب طبقات صوتية أوسع مدى، وأبعد فى درجات الحدّة، وذلك نزولًا عند مقتضيات فنية جديدة وتجسيدًا للنظريات التي بثها الكندي فى رسائله الموسيقية.

وقد أصبح العود منذ عهد زرياب يحتل المكانة المذكورة بعدما كان دوره محصورًا فى المصاحبة الباردة لأصوات المنشدين ثم انتقل هذا التقليد إلى المغرب فيما بعد، وأصبح من تقاليد الأجواق الأندلسية حتى اليوم، بل إن العلمي فى أنيسه لا يسعه أمام أهمية دور العود وسعة إنتشاره إلا أن يقول: “ما قدر أحد في الأمم السابقة أن ينشئ في الملاهي أرفع مقامًا من العود، وكل ما سواه فهو قاصرًا عن لحاقه، والحاذق فيه يقدم على الحاذق فى غيره”.

المصدر:كتاب الموسيقى الأندلسية المغربية،عبد العزيز بن عبد الجليل.

المواضيع ذات الصلة