الآثار الاقتصادية لطرد الموريسكيين

الآثار الاقتصادية لطرد الموريسكيين

كان قرار طرد الموريسكين من أهم العوامل التى تسببت في تدهور اقتصاد اسبانيا، سواء بسبب إنخفاض عدد السكان في إقليم أو آخر أو بسبب اختفاء صناعات كان يحتكرها الموريسكيون مثل صناعة الحرير مما أدى إلى استيراده فتسبب ذلك في حدوث أزمة اقتصادية، كذلك تدهور زراعة الأرز وزراعة قصب السكر، بالإضافة إلى إرتفاع أجور العمال والفلاحين بسبب قلة الأيدى العاملة، كما اشتكى رئيس بلد الوليد عن اختفاء عمال البساتين، أما بالنسبة لمهنة النقل “البغالة” فقد تأثرت تأثرًا شديدًا حيث كان الكثير من الغرناطيين الذين هجّروا إلى قشتالة يمتهنون هذه الحرفة.

وفيما يلى إستعراض للأثر الاقتصادي في عدد من مُدن وأقاليم الأندلس بسبب طرد الموريسكيين:

مرسية

بالنسبة لمدينة مرسية فقد كانت الآثار الإقتصادية لطرد الموريسكيين خطيرة جدًا سواء فى المدينة نفسها أو في المناطق الريفية، ومع رحيل الموريسكيين بدأت الشكاوى من ممثلي المدينة أمام البرلمان، فقد طلبت المدينة تخفيض الضرائب، وذلك بسبب طرد حوالى ألف أسرة موريسكية مما أضر بالأحوال الإقتصادية، بالإضافة أنه كان يصل للمدينة حوالي ثمانية أو عشرة آلاف موريسكي قادمين من بلنسية لبيع الحرير وقد توقفوا عن المجيء بسبب طردهم، طرد الموريسكيين من مرسية أدى أيضًا إلى أن يصل عدد القرى المهجورة فى المدينة إلى اثنتين وعشرين قرية هذا بالإضافة إلى التكلفة الكبيرة لإستيراد الحرير الذي كان يحتكر الموريسكيون صناعته.

المرية

بالنسبة لمدينة المرية فإن انخفاض دخل الكنيسة نعرفه عن طريق معلومات موثقة، تخبرنا عن أثر ذلك في مختلف المناطق، وقد سجل أعلى أثر سيء فى المرية، وإن كانت من أفقر الولايات من قبل، ولكن طرد الموريسكيون أدى إلى تدهور أحوال المدينة، وفي عام 1609 أعلن مدير دير المرية أن الولاية أصبحت خرابًا بعد أن تركها الموريسكيون وطلب بتأجيل دفع الضرائب كما طالت هذه الأزمة أسقفية المرية نفسها مما دعى ثمانية وخمسون شخصية كنسية عانوا من الفقر الشديد إلى التوجه إلى الملك بإعتباره المسؤول الأول عن الكنيسة، فمنحهم عطاء سنويًا، وإذا كان رجال الكنيسة الكبار يعانون من الفقر والحاجة فمن السهل أن نتصور كيف كان حال الخدم وباقى الأسر المسيحية، حتى أن هذه المعاناة طالت الراهبات، واشتد بهن الفقر لدرجة أن راهبتين قد ماتتا من الجوع. وكان ذلك عام 1584 بعد 16 عامًا من ثورة البشرات التي تم فيها اعادة توطين الموريسكين في بعض المدن وتهجيرهم من مدينة إلى أخرى.

غرناطة

ونفس الأوضاع كانت تُعاني منها غرناطة والبشرات فمن المنطقي أن تعاني غرناطة آثارًا سلبية أكثر من أي ولاية أخرى؛ لإرتفاع نسبة الموريسكيين فيها والذين لم يصبح لهم وجود بعد تهجيرهم أولًا إلى مُدن أخرى ثم طرد ما تبقى منهم.

بلد الوليد

وعلى الرغم من أن الموريسكيين لم يكونوا كثيرين فى بلد الوليد، فإن رحيلهم كان له أثر محسوس، ومن بين المؤشرات حول هذا الأمر، وجود مراسلات للملك فيليب الثالث مع رئيس الكتدرائية بشأن بعض المؤسسات الخيرية التى كان الملك قد أمر بإنشائها بالأموال التى تركها الموريسكيون، عندئذ أعلم رئيس الكتدرائية أنه بعد دفع مستحقات محاكم التفتيش لن يتبقى إلا القليل!.

طليطلة

أما في طليطلة فقد أعلن المسؤول القانوني عن المدينة السيد خوان بيوقا دى مونكادا في جلسة البرلمان، أنه من المستحيل دفع الضرائب المقررة عن المدينة بسبب طرد ثلاثة آلاف أسرة من الموريسكيين الذين كان أكثرهم من التجار وأصحاب المعاملات.

أراجون

أما في إقليم أراجون فقد كان حجم الخسائر فيها أعلى بكثير، ففى هذا الإقليم كان الموريسكيون يمثّلون نسبة مرتفعة من السكان فيها، إذ كان عدد الموريسكيون فيها حوالى سبعين ألفًا، أيكانوا يمثلون حوالى سدس العدد الإجمالى للسكان، وكانوا يتمركزون حول نهر الإيبرو ومجاريه، مما أدّى رحيلهم إلى أن تصبح مساحة أربعين كيلو متر جنوب الإيبرو أرض مهجورة.

وتدهورت الزراعة فى أراجون وذلك لأن الموريسكيون الذين كانوا يعملون بالزراعة كانوا محترفون فيالرىّ وطرقه المختلفة فيما كان المسيحيون يزرعون الأرض التى تُروى بالأمطار فقط وقد أدّى ذلك إلى انخفاض المحاصيل الزراعية.

بلنسية

أما بلنسية فقد أعلن بنكها المحليّ إفلاسه عام 1613، وربما لا يكون طرد الموريسكيين السبب المباشر فى ذلك؛ لأن مظاهر تردى الإقتصاد البلنسي وتدهوره كانت قد ظهرت ملامحه منذ بداية ذلك القرن، لكن الرحيل المفاجئ لجزء كبير من السكان القادرين على العمل وإلى جانب أنه الجزء الأكثر جدية فى العمل، هو الذى يتحمل كل المسؤوليات، يجب أن يكون ذلك قد تسبب فى زيادة عملية التدهور.

كما يظهر من الآثار السلبية لطرد الموريسكيين من بلنسية ذلك الطلب من برلمان بلنسية المنعقد في عام 1645، في رسالة تم توجيهها إلى الملك جاء فيها: “نظرًا لأنه يوجد في مملكة بلنسية ألوف القطع من الأرض الجيدة التى بقيت جدباء بدون زراعة ولا محصول كما أنها لا تباع خوفًا من الديون المستحقة عليها، لهذا نرجوا أن تأمروا مؤسسات العدل أن تنشر إعلانًا فى القرى والمُدن يقضى بإمكانية زراعة تلك الأراضى على أن يقسَّم انتاجها بين الملّاك والدائنين”.

 

ومن ناحية النظر إلى اسبانيا بشكل عام فإن الآثار الإقتصادية للطرد يمكن أن نلخصها على الشكل التالي: لا أثر لها على الإطلاق في الأقاليم الشمالية المحدودة في مناطق ومدن معينة فيقشتالة، لا قيمة لها في كاتالونيا، قاسية وشديدة فيأراجون وبلنسية.

وفي النهاية يرى المؤلف أن الطرد ليس سببًا في الخراب الذى تحدَّثت عنه الدراسات التاريخية فيالقرن السابق ولكنه عامل ذو وزن كبير بين عدد من العوامل التي جعلت من القرن السابع عشر قرن ترد وانحطاط.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الموريسكيون حياة ومأساة أقليّة الإسباني أنطونيو دومينغيز هورتز – والفرنسي برنارد بنثنت.

ترجمة عبد العال صالح طه.

المواضيع ذات الصلة